
كنت كأي طفل عربي في بدايات عمري انظر إلى الرئيس على انه ألأب لكل الشعب وهو الوالد وهو القائد المحبوب الذي سيحرر الأرض العربية وسيقود الشعب نحو الازدهار والتنمية ’ لكني اكتشفت بعد أن أصبحت شابا أن هذا الرئيس ليس سوى دكتاتور ومستبد ويبدد خيرت الوطن وانه عدوا القومية وانه يحابي أقربائه على حساب الشعب وانه يحاول أن يورث الحكم لأحد أولاده . فبدأت بالانضمام إلى الحركات الطلابية والأحزاب القومية المعارضة وقمت بالعديد من الأعمال الموجهة ضد الحكومة وألقيت الخطابات الحماسية ضد النظام وتندد بالتوريث وتطالب بالديمقراطية والتعددية الحزبية ، وارتقيت بمرور الزمن في سلم المعارضة بسبب إيماني بقدسية المطالبات التي نسعى إليها حتى أصبحت زعيم المعارضة التي تطالب بالديمقراطية والتنمية والتعددية الحزبية وحكم الشعب وعدم تغييب أصوات الجماهير.
وبعد نضال طويل ومرير وتقديم الشهداء استطعنا أن نزيح الطاغوت الذي جثم على صدر الوطن عشرات السنين وبدد ثروته وحابى أقربائه. وبعد تسلمي السلطة كان لابد أن أبدا بالإصلاحات الكاملة فشكلت اللجان الاقتصادية والتنموية وأطلقت بعض الحريات وأعلنت حالة الطوارئ لأننا في بداية الثورة ويجب السيطرة على مقاليد الحكم لتحقيق أهداف الثورة لكني اكتشفت ان هناك بعض المندسين على الثورة من داخلها وكانوا يريدون إزاحتها عن منهجها فقررت وبكل قوة أن اقضي على هؤلاء المتآمرين مهما كلف الأمر وبغض النظر عن تاريخهم النضالي لأنهم خونة ومتآمرين على الثورة فأعدمتهم (بعد أن اعترفوا تحت التعذيب) ليكونوا عبرة لأي شخص يريد أن ينقلب على الثورة وأهدافها ولتحقيق هداف الثورة قمت بتعيين من امن لهم بمناصب حكومية لكي لا يكون هناك من يتربص بالثورة وطبعا كان من عينتهم كانوا من الأقرباء المخلصين لي وللثورة
وكنت لا أكل ولا أمل من إلقاء الخطابات الطويلة التي تمجد الثورة والانجازات والبطولات والخطط الاقتصادية والتنموية التي ستقوم بها الثورة ومواجهة الأعداء في الداخل والخارج وبعد تفكير عميق قررت أن لا اسمح للأحزاب بالعمل داخل الوطن لأنها تحاول ان تسرق انجازات الثورة وتنتقدها وتريد تحييدها عن خطها الثوري فاعتقلت كل من في هذه الأحزاب ورميتهم في السجون وأعدمت بعضهم بعد أن اعترفوا (تحت التعذيب ) بعمالتهم لدول أجنبية وبعد ان قضيت السنوات العشرة الأولى من حكمي الديمقراطي اثبت أركان الثورة ودعائمها وتركت الخطط الاقتصادية والتنموية فتدهور الاقتصاد وتململ الشعب من الفساد الذي يقوم به أقربائي (لكني لم أقم بأي عمل ضدهم مع علمي بفسادهم وذلك لأنهم من يساندوني بالحكم ) وبدأت الدول تضغط على نظامي لإطلاق بعض الحريات فقررت أن تكون هناك انتخابات حرة وديمقراطية لانتخاب رئيس جمهورية بشرط أن يكون الشخص المرشح قد قضى عشرة سنوات على الأقل في سدة الحكم لكي يكون لديه الخبرة الكافية لخدمة الوطن وأجريت الانتخابات فصوت الشعب لي بنسبة 99.99 (ولم اعرف لحد الآن من لم يصوت لي فالمخابرات لم تجده ) فتأكدت من محبة الشعب وإيمانه بالثورة والتقدم والازدهار التي ستقوم بها الثورة، فقررت أن اجري انتخابات كل 5 سنوات لإسكات الرأي العام العالمي وجعلها مظاهرات تأييد للثورة وبعد ذلك قررت تشكيل مجلس للشعب ومجالس بلدية منتخبة (وكان المرشحين الذين أقدمهم يفوزون بنفس النسبة التي أفوز بها) واستمرت الثورة وفزت بجميع الانتخابات الخمسة التي أجريت بنسبة 99.99 ورغم معاناة الثورة ومجابهتها للأعداء في الخارج والداخل مما حال دون حصول اي تطور اقتصادي وصعوبة توفير فرص العمل للشعب فزاد عدد المتهربين من المدارس وزادت الأمية وزادت نسبة البطالة وزاد بالتالي عدد المجرمين حتى امتلأت السجون على أخرها ورغم كل الصعاب فان محبة الشعب تزداد كل يوم فقررت بعد عمر طويل أن يتولى الرئاسة ولدي العزيز ليكمل مسيرة الثورة ويحقق التنمية والازدهار للشعب لأنه مؤهل أكثر من غيره للحكم لأنه يتكلم الفرنسية والانكليزية لأنه قضى كل عمره في هاتين الدولتين ويحمل شهادات عالمية (لكنها فخرية) في كل الاختصاصات. لكني سمعت من المخابرات ان بعض الخونة والمتآمرين يرفضون التوريث ويتهمونني باني دكتاتور وانني حاكم رجعي فبدأت تخرج مظاهرات تطالب بالإصلاح والحرية والديمقراطية ولم استطع لا انا ولا القوات الأمنية بكل تشكيلاتها (القمعية) ان تسيطر على الجموع الغاضبة التي تطالب بالإصلاح فألقيت خطابي المشهور باني فهمت مطالب الشعب وساعين نائب للرئيس وسأرفع حالة الطوارئ المفروضة منذ 37 عاما لكن المتظاهرين لم يكتفوا بهذه التنازلات فزادت المظاهرات واتسعت فألقيت خطابي الثاني وقررت عدم الترشح للانتخابات القادمة وان ولدي لن يرشح أيضا وكل هذا لم يكفي المتظاهرين الذين يطالبون برحيلي عن البلد وتركي الرئاسة بعد أن خدمتهم 37 عاما بكل ديمقراطية وحرية وبعد انتشار الفوضى وعدم مقدرتي على السيطرة على الجموع التي كانت تنادي( الشعب يريد رئيس جديد) مع إني قدمت لهم ولدي كرئيس جديد لكن كل هذا لم يكفي فاضطررت تحت ضغط الشعب والمد الثوري الغاضب أن اترك الجمل بما حمل عدا تلك المليارات الموجودة بحسابات سرية لا يعرفها الجن الأزرق هذه هي مذكراتي من يوم مولدي إلى اليوم اكتبها لكم من السعودية حيث أعيش بجانب العديد من الزملاء السابقين في مجمع القصور لرؤساء الجمهورية السابقين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق