١٥ يناير، ٢٠١١

الصرخة الأخيرة في وجه الظلم .........

هل خطر في بال ابن مدينة (بوزيد) التونسية، وهو يحرق جسده، أنه بفعلته هذه يقدم إجابة كبيرة ومختصرة في نفس الآن، على سؤال عربي ظل معلقًا منذ فجر استقلال الدولة العربية، وهو كيف يمكن الخلاص من الاستبداد والقهر والظلم وعدم العدالة، الصفات التي باتت السمة الأبرز للدولة العربية
ربما لم يكن ذلك الشاب المنكوب في عربة بضاعته، يعنيه كثيرًا البحث عن إجابات لأسئلة كبرى طالما أرقت بال المشتغلين في السياسة لعقود طويلة، فهو مثل ملايين الشباب العرب الذين تشغلهم همومهم اليومية كالبحث عن العمل وتحسين مستواهم المعيشي، وهم يفعلون ذلك تحت ضغط العمر الذي يتقدم والخبرات الجامعية التي تتراجع واليأس الزاحف على ما تبقى من الأحلام الجميلة التي تكونت عن المستقبل الواعد والأوطان التي ستبنيها سواعد وعقول أولئك الشباب.
في كل الأحوال فإن ابن مدينة بوزيد، الذي لم يحتج إلى منابر يعبر فيها عن رأيه ويقدم نظريات في كيفية الخلاص من حزمة الأمراض العربية، ولا إلى أحزاب تبلور له فكره وتنظم فعله، استطاع في لحظة عاصفة أن يجترح طريق الخلاص العربي: أحرق جسدك فتضع الآخرين ( حكامًا ومحكومين) أمام حالة رعب، حيث إن الحاكم سيجد نفسه أمام حالة تخريج من تحت سقف عبوديته دون أن يشرف على تنظيمها وتوقيتها وإخراجها، وحيث إن المحكوم الذي ظل يمني النفس بغد أفضل سيأتي، حتى لو لم يكن يعرف كيف سيتسربل إليه، برغم علمه أن الحاكم قد أغلق كافة المنافذ أمام ذلك الغد، ولم يعد يسمح إلا بغد يفصله على هواه ومقاسه، هذا المحكوم سيجد نفسه فجأة أمام واقع لا خلاص منه إلا بإفناء جسده، فهذه الأداة الوحيدة التي يستطيع من خلالها أن يوصل صوته للحاكم.
بالطبع ليست حالة إفناء الجسد، على الطريقة التي أقدم عليها بعض شباب تونس، بظاهرة جديدة على الوعي العربي، فهي تمارس منذ عقود وإن بطرق مختلفة، فالموت غرقًا في عرض البحر بحثًا عن لقمة العيش في أوروبا كان أحد تمظهرات هذه الحالة، والانتشار السريع للإدمان بين الشباب العربي أحد التجليات الراهنة لطريقة إفناء الجسد، إلا أن التطور في حالة بوزيد التونسية، رغم عفويتها، تمثل في كونها أشارت بشكل مباشر وواضح وصريح إلى جوهر القضية، وعينته بدقة: هنا تكمن المشكلة... وهذا هو الحل!
لا شك أن الظاهرة التي نحن بصددها، هي وليدة جملة من الظروف التي تواطأت على مدى عقود من الزمن، هي عمر الدولة العربية، وشكلت الحاضنة الطبيعية لتطورها واستمرارها:
أولا -أزمة الديمقراطية التي تعيشها معظم الأنظمة العربية، من خلال تقييد المشاركة السياسية وحقوق الإنسان، لأن عملية تركيز السلطة واتخاذ القرار وتنفيذه تتمثل في فئة حاكمة وضمن نموذج بطركي، كما أن أمر تداول السلطة محتكر بيد فئة حاكمة دون إعطاء المجال للجيل الجديد، إضافة إلى الانفراد بالرأي دون احترام رأي الآخرين، وهي صيغة مستمرة ودائمة في معظم الدول العربية.
ثانيا –اتباع أغلب الأنظمة العربية نمط القمع السلطوي، الموجه بالدرجة الأولى ضد حرية الآخرين، ونحو تعزيز السلطات القائمة، وذلك عبر إسكات الناس ومنعهم من المشاركة في الرأي والقرار، وتعزز ذلك من خلال ترسخ منظومة معلنة أو مضمرة من الأفكار البسيطة أو المركبة التي تسوغ استخدام الإكراه.
ثالثا –قيام الأنظمة العربية، في سياق سعيها إلى الشرعية وتأمين رضا الناس، وإلى رفع مستوى تطلعات الجماهير، دون أن يتوفر لكثير منها القدرة الاجتماعية والاقتصادية على سد حاجاتهم التي راحت تتزايد مع اتساع تطلعاتهم، والحال أن ثورة التوقعات تحولت من دافع قوي للارتقاء إلى إحساس بعدم الرضا وخيبة الأمل، الأمر الذي ساهم في انتشار التذمر واليأس لدى المواطنين.
رابعا –استمرار إيمان النخب في العالم العربي بأنها على وعي رفيع بشؤون المجتمعات العربية، في حين أن طرق التفكير الشعبية تنشأ في أحضان الثقافة السائدة، حيث لا تلعب النخب إلا دورًا هامشيًّا، وينتهي الأمر بها إلى التحدث مع نفسها، وانقطاع جسور التواصل مع الناس الذين باتوا يفتقدون لمرجعيات فكرية وثقافية.
خامسا –على وقع التطور الهائل في وسائل الاتصال، تكشف أمام المواطن في البلاد العربية أساليب متنوعة من المعيشة وصنوف الاستهلاك، وأنماط مختلفة من أشكال التعبير والنشاط السياسي، لا يمكن توفرها للكثيرين في عالمنا العربي حتى على مدى أجيال قادمة، وهو ما رسخ الإحساس ليس بالدونية تجاه الآخر فحسب، وإنما بحالة اللامبالاة واليأس تجاه الذات والمجتمع.
سادسا –تغلغل ظاهرة الفساد في أغلب الدول العربية، التي كان من نتيجتها إحداث اختلالات واضحة في البنى الاجتماعية العربية، عبر تسيد المقربين من الأنظمة والمحسوبين عليها للمشهد الطبقي (الأغنياء الجدد) المستفيدين من عملية توزيع موارد الدولة، بما فيها المناصب والمراكز والتسهيلات، مقابل التقلص الكبير في الطبقات الوسطى، وتثبيت أوضاع الطبقات الفقيرة بشكل محكم ونهائي.
لقد أدت هذه الأساليب مجتمعة، وممارستها بأسلوب ممنهج ودائم، إلى ما يسمى بظاهرة موت السياسة في البلاد العربية، عبر نزع ديناميتها المتمثلة في الحراك السياسي أولا، وهذه ربما كانت الإرهاصات الأولى لازدهار ظاهرة إفناء الجسد التي يشهدها العالم العربي اليوم. 
فقد ولدت حالة الاغتراب السياسي التي يعيشها الشباب العربي خصوصًا، نمطًا موازيا من الاغتراب المجتمعي، فكما أصبحوا يشكون في العملية السياسية برمتها بما فيها أقوال ومواقف القادة السياسيين، كذلك فإن المجتمع لم يعد يعني لهم شيئًا، وخاصة في ظل حالة الاختراق والتشويه التي مارستها الأنظمة العربية تجاه مجتمعاتها.
ومن واقع هذا الإدراك تولد الاقتناع بضرورة البحث عن الخلاص الفردي، الذي مثلما لا يمكن التنبؤ والإحاطة بكافة أساليبه، فإنه لا يمكن ضبطه أو التحكم في تعبيراته، من الارتماء في حضن البحر، إلى الهرب إلى عوالم المخدرات، إلى الاحتراق بالنار والانصعاق بالكهرباء، وكلها طرق تؤدي إلى إفناء الجسد!
ثقافة إفناء الجسد، رغم قساوة تعبيراتها، تبدو الطريقة الوحيدة المتاحة والممكنة، التي يعتقد المواطن في البلاد العربية، أو يتوهم، أنه من خلالها يمكنه إيصال صوته للحاكم، والأهم من ذلك أن يعبر عن رفضه للظلم والقهر والتهميش، إنها صرخة في وجه الظلم... حتى وإن كانت الصرخة الأخيرة.


حتى لا تضيع ثمار الثورة في تونس



أخيرا سالت الدماء مدرارة ضد الاستبداد في دولة عربية، في أول ثورة شعبية في منطقتنا المكلومة بحكامنا المستبدين، بعد ثورة السودانيين على الجنرال عبود والمشير النميري. لقد برهن الشعب التونسي على شجاعة لا ترهب الموت، وعلى استعداد للتضحية قل نظيره في شعوبنا.
وقد كانت ثورة شعبية مجيدة حقا التحم فيها الشعب بكافة أطيافه حتى إنك لتسمع فيها التكبير وترى صورة تشي غيفارا في المشهد ذاته. وعلى الشعب التونسي الذي فتح الطريق أمام شعوبنا بملحمته الرائعة في مقارعة المستبد حتى فر ذليلا مدحورا، أن يقدم نموذجا آخر في عدم التفريط في دماء شهدائه، من خلال بناء دولة الحرية والعدل والديمقراطية.

فكيف يجني الشعب التونسي ثمار الدماء الزكية التي سالت في معركة الكرامة الدائرة اليوم ضد الاستبداد والفساد، وكيف يحميها من المتسلقين في جنح الظلام؟
إن فلول نظام بن علي المستبد الفاسد لم تستسلم لثورة الشعب، كما لم تيأس القوى الغربية التي اعتادت على العبث بمصائر الشعوب من إمكان التحكم والسيطرة الخفية. وها نحن نعيش اليوم محاولة خبيثة لمصادرة أنبل ثورة شعبية في تاريخ العرب المعاصر، بنفس الطريقة التي تمت بها مصادرة الثورة الديمقراطية في الجزائر مطلع التسعينات، فأغرقت ذلك البلد في بحر من الدماء، ووأدت تطوره السياسي. وقد تلبس الغدر الذي تحاوله فلول النظام البائد في تونس لبوس الحكم الدستوري زورا وبهتانا، وهو أمر لا يجوز للشعب الذي بذل دماءه الزكية في سبيل الحرية أن يقبله.
إن الدستور التونسي –على علاته- صريح بحكم التعامل مع الفراغ في السلطة، حيث تنص المادة (57) من الدستور على أنه "عند شغور منصب رئيس الجمهورية لوفاة أو لاستقالة أو لعجز تام يتولى فورا رئيس مجلس النواب مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة لأجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه ستون يوما... ولا يجوز للقائم بمهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة الترشح لرئاسة الجمهورية ولو في صورة تقديم استقالته… وخلا المدة الرئاسية الوقتية يتم انتخاب رئيس جمهورية جديد لمدة خمس سنوات...إلخ".
فهذا نص صريح لا يدع مجالا للبس حول ما ينبغي فعله دستوريا بعد هرب الدكتاتور المدحور إلى الخارج. لكن ما حدث هو الغدر بتضحيات الشعب التونسي في غرف الظلام بين بعض المتنفذين، وبتواطؤ من فرنسا وبعض الدول الغربية التي كانت حليفة لبن علي. وقد تلبس المتسللون الجدد لبوس دستورية زائفة، فادعوا أنهم يتولون السلطة طبقا للمادة (56) من الدستور التي تتحدث عن تفويض الرئيس مهامه لرئيس الوزراء "إذا تعذر عليه القيام بمهامه بصفة وقتية".
ومن الواضح أن بن علي الذي هرب من نقمة شعبه، لا يمكن وصفه بالعجز المؤقت عن مهامه إلا عند عتاة المزورين الساعين إلى سرقة ثمار الثورة التونسية المجيدة. وعلى الشعب التونسي أن يعد العدة لمواجهة هذا التزييف، وأن يحرص على جني ثمرات ثورته التي رواها بدماء شهدائه، حتى لا يقع فيما وقعت شعوب كثيرة من قبل، بذلت دماءها ثم جنى المتسللون ثمرات تضحيتها، وحرموها حقها الذي بذلت ضريبة الدم من أجل تحقيقه.
وأول الخطوات في هذا السبيل هي تنحية رئيس وزراء بن علي من المنصب الذي استولى عليه زورا وتزييفا للدستور، وترك الخيارات الزمنية والإجرائية مفتوحة دون نهاية دستورية واضحة.
وأمام الشعب التونسي الأبي اليوم أحد خيارين لتصحيح الوضع: خيار دستوري أو خيار شعبي.
أما الخيار الدستوري، فهو أن يتولى رئيس مجلس النواب رئاسة الجمهورية للمدة الدستورية المنصوص عليها، والتي لا تزيد على مدة ستين يوما، وفي هذه الفترة تعد النخبة السياسية وقوى المجتمع المدني عدتها لخوض انتخابات رئاسية وتشريعية.
وأما الخيار الشعبي فهو أكثر تعقيدا، لكنه لا ينبغي استبعاده، خصوصا في حال تعنت رئيس الوزراء العجوز ومن وراءه من فلول زمرة بن علي. وفي هذه الحالة تحتاج الأحزاب المعارضة والقوى النقابية والشخصيات الوطنية التونسية في الداخل والخارج إلى التواضع على قواعد للمرحلة الانتقالية، والتوافق على حكومة إنقاذ وطني يتم تمثيل الجيش فيها، ضمانا لقيامه بحفظ الأمن وحياده السياسي، ريثما تتم انتخابات رئاسية وتشريعية عاجلة بمراقبة دولية. 
ومن الضروري في هذه المرحلة الحرص على تمثيل كافة القوى السياسية والاجتماعية في عملية التحول، بحيث تجد هذه القوى صوتها ودورها في مجلس نواب منتخب انتخابا نزيها لا تزوير فيه ولا تزييف. وهنا يجدر بالمعارضين السياسيين التونسيين المنفيين بالخارج -من إسلاميين وليبراليين وغيرهم- أن يهرعوا إلى بلدهم للمساهمة في ترجمة ثورة شعبهم إلى مشروع سياسي مثمر، والحيلولة دون تمكن فلول النظام المتهاوي من البقاء ممسكة بزمام الأمور بعد وضع مساحيق على وجهها القبيح.
وللحفاظ على ثمار الثورة التونسية المجيدة، يتعين على التونسيين الانتباه إلى أربعة محاذير:
أول هذه المحاذير هو الركون إلى السكون بعد رحيل بن علي، وكأن رحيله غاية في حد ذاته، بينما الغاية ليست هدم النظام الفاسد، وإنما بناء نظام العدل والحرية.
فإذا ركن التونسيون إلى الدعة اليوم، واعتبروا سقوط بن علي نهاية للثورة، فإن مستبدا آخر سيجني ثمرات كفاحهم لتحقيق أهدافه الأنانية. إن البذور التي سقاها التونسيون بدمائهم الزكية يجب أن لا تضيع سدى، بل يجب أن تثمر ثمار الحرية والكرامة، لقد بذلت أمتنا بحورا من دماء الشهداء في مقاومة الاستعمار، وفي مقاومة الاستبداد، ثم لم تجن ثمرات جهدها وجهادها، وقد آن الأوان للوفاء لدماء الشهداء، وعدم القبول بأنصاف الحلول، أو الوقوف في منتصف الطريق.
وثاني المحاذير هو الاغترار بأصوات الدول الغربية المتواطئة مع الاستبداد، وهي دول دعمت بن علي أكثر من عقدين سياسيا واقتصاديا، وهي شريك في الجريمة التي تدور رحاها اليوم ضد الشعب التونسي، وشريكة في محاولة الالتفاف على تضحيات الشعب.
لقد رحبت هذه الدول –وعلى رأسها فرنسا- بما دعته "الإصلاحات التي تقدم بها علي"، في محاولة منها لحماية عرش الاستبداد المهزوز، أو منحه نفَسا وفسحة وقت ريثما تعد فرنسا بديلا يخدمها ولا يخدم شعب تونس.
وبعد انهيار رأس النظام ها هي الآن تسعى اليوم إلى مصادرة الحصاد، وإبقاء الزمرة الفاسدة العميلة من خلال الاعتراف بما دعته "الانتقال الدستوري" في تونس. لقد برهنت القوى الغربية –وخصوصا فرنسا- على أنها لا تريد حرية ولا كرامة للتونسيين منذ أيام استعمارها للبلاد حتى اليوم، فلا شيء اليوم يدعو الشعب التونسي إلى الثقة فيها اليوم، بعد أن قرر إمساك مصيره بيديه. أما رفض فرنسا استضافة بن علي، فلا يختلف عن رفض أميركا استضافة شاه إيران.
وثالث المحاذير هو اختلاف الصف داخل المعارضة بشكل يتيح لفلول نظام بن علي، أو للعسكريين الطامحين، أو للقوى الغربية المتربصة، بوأد الثورة الشعبية، من خلال تنصيب قادة دون تغيير جذري في البناء الدستوري والسياسي القائم.
فالمطلوب من قادة المعارضة وهيئات المجتمع المدني في تونس اليوم التخلي عن الأنانية السياسية، والحرص على تغيير قواعد تداول السلطة في تونس، فلا يهم من سيحكم منهم اليوم، إذا كان ذلك جزءا من تحول ديمقراطي حقيقي، أما إذا وجد الاستبداد سبيلا للرجوع فكلهم ضحاياه.
ورابع المحاذير وهو أسوأها هو السماح بالفوضى العارمة لتجتاح تونس، حتى يتمنى الناس حصول الأمن بأي ثمن، ولو بحكم استبدادي جديد. فالحس المدني مطلوب في هذه اللحظة، وروح الانضباط والتركيز على الأهداف السياسية في غاية الأهمية.
إن ما يتمناه كل مستبد هو أن يضع الشعب أمام خيارين: إما الرضا بحكمه وإما الفوضى والفتنة العارمة، وهذا هو منطق "أنا أو الطوفان" المشهور. فعلى التونسيين أن لا يرضوا بأي من هذين الخيارين.
إن أهم ما يحتاجه المجتمع التونسي في ختام هذه الفترة الحرجة أن يتولى رئاسة الجمهورية رجل وطني يحمل بين جنبيه صفات النزاهة والإيمان المبدئي بالحرية والكرامة والعدل الاجتماعي. ويعترف بأنه خادم للشعب لا جبار يستعبده، ويحظى بقبول من الأطياف السياسية المختلفة. ويوجد من أبناء الشعب التونسي العديدون ممن يتسم بهذه الصفات.
لكن الذهن ينصرف في هذه اللحظة إلى د. منصف المرزوقي، الرجل المنصف الحر الذي طالما رفع راية الدفاع عن المظلومين والمقهورين في تونس، وهو شخصية إجماعية يقف على خطوط التماس بين العلمانيين والإسلاميين في تونس، ويحمل تصورا واضحا وإيمانا عميقا بالكرامة الشخصية والحرية الإنسانية.
كما توجد شخصيات وطنية أخرى منها محمد نجيب الشابي الذي برهن على شجاعة في الحفاظ على صوت المعارضة والاعتراض داخل تونس أمام تجبر بن علي، كما برهن على توجه جبهوي جيد تحتاجه تونس اليوم.
إنها لحظة التمسك بالأهداف النبيلة التي ثار الشعب من أجلها، والتمسك بقطيعة كاملة مع حكم بن علي وزمرته، وعدم القبول بأي مساومة تبقي فلول النظام، حتى لا تضيع ثمار الثورة في تونس.


ثورة الياسمين والنموذج التونسي في التغيير


حاكم تونس والحقيقة المرة
رسائل غير مشفرة للثورةثورة الياسمين وإشارات على الطريق

أربعة أسابيع تمر على تونس، وعبرها تغير البلد، مشهد جديد بدأ ينسج أطرافه، الشعب التونسي مرّ من هنا! قصة بدأت سنة 1987، وموعد جديد مع التغيير، الرئيس السابق بلغ من العمر عتيا، وقضية خلافته فرضت على أهل السرايا الدخول في عراك وتقاسم للأدوار، ودخلت البلاد في مرحلة فوضى وحالة ما قبل الثورة. كانت الحركة الإسلامية الأكثر وجودا وعددا وتنظيما على الساحة، رغم مواجهتها مع سلطة بورقيبة، وكان الداخل والخارج ينتظر حدوث تغيير، وكان للإسلاميين شوط وسبق في هذا المشوار، في ظل تخبط سياسي وخوف من سقوط البلاد في فوضى عارمة، وأصبحت تونس على كف عفريت.

في يوم 7 نوفمبر استفاق التونسيون على صوت من جهاز الأثير لم يكونوا متعودين عليه، كان المواطن التونسي متعودا على سماع مدائح وأذكار في تمجيد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة كل صباح مباشرة بعد القرآن الكريم وانطلاق برامج الإذاعة، صوت جديد يعلن تنحية الرئيس السابق لأسباب صحية بعد اتفاق مجموعة من الأطباء، يقال إن بعضهم أخرج من فراشه على عجل، انقلاب أبيض، انقلاب من داخل القصر، ثورة بيضاء أو هكذا يراد تسويقها.
أقسم على المصحف بأنه يفتح عهدا جديدا للتونسيين كل التونسيين ليعيشوا حياة الرفاه والمسؤولية، لا ظلم بعد اليوم، لا رئاسة مدى الحياة بعد الساعة، رُفعت الأقلام وجفت الصحف.

منهجية جديدة في التغيير والتمكين، لم تسل فيها قطرة دم واحدة، منهج جديد اصطبغ بلغة حضارية في التعامل مع نظام سابق، أقيل بورقيبة في عملية استيلاء على السلطة في مشهد هادئ، ووقعت مرافقته إلى مأواه الجديد خارج قصر قرطاج، لتنتهي قصة دامت أكثر من ربع قرن بين "المجاهد الأكبر" اللقب الذي صنعه لنفسه وفرضه على الجميع، وبين شعب رافقه في رحلة طويلة كانت بكل الألوان.

حاكم تونس والحقيقة المرةكانت المنهجية الجديدة في التغيير فردية خالصة وجديدة، وفتحت عهد التغيير على يد لامست المصحف، وعلى تشوّف شعب بكل أطيافه إلى الحرية والانعتاق، وعلى علاقة مع الحاضر غاب فيه الجمهور، ولكن السلطة الجديدة حملت عهودا ووعودا لإنقاذ البلاد نحو منازل الحرية وكرامة الإنسان.

لم تمر سنتان حتى دخلت البلاد في نفق مظلم وسنوات من الجمر، ضُربت الحركة الإسلامية وشُردت واستؤصلت، عشرات الآلاف من الأسر وقع تهميشها وإفقارها، وطُبقت خطة مريعة لتجفيف منابع التدين في البلاد، ثم تلاه تكميم للحريات وأُنزل ستار حديدي على تونس، أصبح فيه مجرد التذمر من غلاء السلع موقفا سياسيا يحاسب عليه حسابا عسيرا.

ثلاث وعشرون سنة مرت على تونس رُفعت فيها يافطات النجاح الاقتصادي على مستنقعات من الحريات المفقودة واعتداءات على حقوق الإنسان، وكما ذكرت في مقالتي المنشورة على هذا الموقع -بعنوان "بين الاقتصاد والسياسة.. تونس على صفيح ساخن"- كانت المعجزة الاقتصادية بالونة عظمت موقع الإنتاج رغم هشاشته على حساب التوزيع الذي جعل مناطق بأكملها تعيش بؤسا وفقرا مدقعا، في ظل تعتيم إعلامي رهيب.

وكانت بداية النهاية عبر قطيعة هيكلية تتضخم مع الأيام بين نظام يعيش على الفساد والمحسوبية، وشعب يتطلع إلى الحرية ورفاهة مادية مقبولة، ودخلت على الخط الأسر المقربة وأهل القصر وذويه، وتقاسم الجميع ثروات البلاد بكل غطرسة وبدون حرج، على وقع بطالة وفقر وبؤس وفقدان لمواطنة كريمة وحقوق الإنسان، حتى انفجر التنور وفاض الماء وكانت الانتفاضة التي لا تزال تستوطن المكان والزمان...

في مساء الرابع عشر من شهر يوليو/تموز سنة 1789 وقع سجن الباستيل في أيدي المنتفضين على حكم الملكية في فرنسا، فأسرع دوق دو ليانكور لإعلام الملك لويس السادس عشر بذلك، فقال له الملك: هي انتفاضة؟، فأجابه الدوق بطريقة استشرافية: لا يا مولاي، إنها ثورة!.

الأحداث في تونس تسارعت بشكل غير مسبوق، والدماء تسيل والشهداء يتساقطون والرصاص يجوب الديار والأحياء. انتفاضة بدأت، انتفاضة سارت وثورة تصير... صور تملأ المواقع الاجتماعية والفضائيات، شعارات ترفع، رموز تسقط، يافطات تُنشَر، أصابع تتهم، ودماء تسيل، الشعب قال كلمته... كتبها بحبر أحمر لا يمحى، التاريخ ثنى ركبتيه احتراما، شعوب العالم تنظر إليه من ثقب بابها الصغير... تونس حلم يتحقق، تونس مخاض فولادة جديدة.

إرادة الشعب لا تقهر، هكذا جسدته صدور الشباب والكهول، الرجال والنساء، إرادة الشعب التونسي فعل ونظر، صبَرَ الشعب التونسي حتى قالوا: خنوع، سَكَتَ حتى نعتوه بالشاذ، انسحب حتى ظنوه ميتا، والأموات لا تعود...


انحنى للعاصفة حتى لا ينكسر، لاطفها، رافقها، ابتسم لها، حتى إذا مرت انتصب قائما، تراكمت المآسي حتى زعموا أنه المأساة، استغلوا سماحته فدخلوا دياره ضيوفا، ثم سلبوه البيت وأثاثه وتركوه يلتحف السماء ويفترش الأرض! عصابات شر طرقت بابه، أسر وطبقة حاكمة استحوذت على كل شيء يمكن أن يسعده وأن يبني مستقبله، حتى بلغ الزبد الربى وفاضت الكأس، وكانت انتفاضة الكرامة.

رسائل غير مشفرة للثورةكانت الانطلاقة مجسدة في حادث غريب على العقلية التونسية وثقافة البلاد، شاب في مقتبل العمر وصاحب شهادة عليا يشعل في جسده النار يأسا وحسرة على وضع يشاركه فيه عشرات الآلاف من شباب تونس، ومن نار جسد فرد مرمي في طرف خال من تراب تونس، عمت النيران كل أرجاء البلاد ودخلت الثورة كل بيت، ولم تنطفئ حتى غادر الرئيس السابق البلاد، تاركا الأمر مفتوحا على المجهول بعد أن روّى أرضها بدماء شعبها الزكية.

لعل الرسالة الأولى -التي تبعثها ثورة الياسمين إلى العالم، ومن ورائه إلى العالم العربي خاصة- هي أنها جددت وأكدت مقولة أن للحرية ثمنا، والتونسيون دفعوا ثمنها باهظا جدا، 100 شهيد أو يقاربون، مئات من الجرحى وعشرات الأسر المنكوبة والمكلومة.

أما الرسالة الثانية، فهي أن درجة وعي الشعب وثقته في نفسه ولدت عفوية في انطلاق الثورة، وجنبها التوظيف السياسي والانتهازية والحسابات الخاصة والطموحات الفردية، رغم أن هذه الإيجابية لها محدوديتها، حين تأتي المراحل المتقدمة من الثورة، حيث يبرز دور النخبة الواعية.

أما الرسالة الثالثة، فهي الموقف المبدئي من الاستبداد، فقد حسمت الجماهير التونسية أمرها، وحددت هدفها وهو رئيس البلاد وحاشيته ونظامه، والعمل على تنحيته. ولعل الدرجة المتقدمة لوعي الجماهير التونسية جعلتها تشخصن الصراع لعلمها أن كل النظام والسلطة مركزة في فرد، وإذا سقط الرئيس فإن كل البناء ينهار.

أما الرسالة الرابعة، فهي التشبث بالمطالب ووضوح الخطاب، وعدم قبول أي مساومة أو حوار أو قبول بأنصاف الحلول، أو تريث يعطي للاستبداد لحظات من الراحة يستعيد فيها أنفاسه، فالتصعيد كان السمة التي برزت من خلال ثورة الياسمين التونسية، والتي جعلت الاستبداد يُصعّد درجات الترويع فيقع في فخ التصعيد ولا يتورع عن القتل.

أما الرسالة الخامسة، فهي تلاحم كل شبر من الوطن مع بعضه البعض، فالشرارة الأولى انطلقت من وسط البلاد لتشمل بعد أيام كل جهاتها. وهذا التوزيع المنهجي جعل الاستبداد يشتت قواه ويقع في فخ ضرب الثورة في كل مواقعها، فتوزع الدم المراق بين الجهات، مما جعل جميع أفراد الشعب وجهاته معنيين بالتغيير والمواجهة.

ثورة الياسمين وإشارات على الطريقولكن الثورة لم تنته، والأخطار المحدقة بها بدأت تبرز من أول لحظة لكتابة الخارطة السياسية الجديدة لتونس، تساؤلات كثيرة تفرض نفسها، وتستدعي الكثير من الحذر ودرجة كبيرة من الوعي.

فالتأكيد على الغياب المؤقت والتعذر الوقتي للرئيس السابق عند تسلم السلطات الجديدة يفتح العديد من التساؤلات، لماذا يكون مؤقتا؟، وهل ينوي العودة؟، وإذا نواها فهل كل ما حدث كان مبرمجا ومهيأ مسبقا حتى يهدأ الوضع؟، وهل هو خرق جديد للدستور في أول أيام هذه الثورة المباركة؟.

ثم يأتي الحديث عن تواصل السلطة وبنفس الوجوه مع غياب رأسها فقط، ليفتح على الثورة خطر الالتفاف عليها، فتعود حليمة إلى عادتها القديمة ولكن من الباب الخلفي وفي جنح الظلام.

إن الهبوط الهادئ للثورة على أرضية قديمة غير مجددة، وفي مشهد سياسي قديم، يفقدها بريقها وحجمها ويدفعها نحو المجهول. فالحديث عن حكومة ائتلاف أو إنقاذ تتنزل في نفس السياق القديم يجعل التساؤل مشروعا، فهل هو إنقاذ للنظام القديم أم هو إنقاذ للجماهير من هذا النظام نفسه؟.


ان المرحلة القادمة خطيرة ونوعية، وتتطلب درجة وعي قصوى من الجماهير التي يجب أن تعلم أن ثورتها لم تنته، وأن الثمن ما زال مرتفعا، فالأجندات الخارجية والداخلية لم تسحب أوراقها، والطبقة الموالية موجودة ويجب عدم إنكارها حتى وإن قل عددها، والمصالح الموزعة كثيرة ويجب أخذها بالاعتبار.

إن الحل الوحيد المتاح للجماهير التونسية حتى لا يقع الاستحواذ والالتفاف على ثورتها، هو عدم مغادرة الشارع، ففي الشارع ولدت الثورة ولو بفتيل من نار شوى جسد محمد بوعزيزي رحمه الله، وفي الشارع تتحدد معالمها ونهايتها. وعلى النخبة الصادقة والواعية أن تثني الركب وتلتحم بشعبها، ولا تلقي عليه التحية والدروس من عليائها، ولكن أن تتعلم، وتكون في مستوى مطالبه وتضحياته، وأن تستجيب لسقوفها المرتفعة وتشوف أفراده للحرية ومنازل العدل.

إنها انتفاضة شعب ولكنها ثورة الجميع، "إنها ثورة يا مولاي" ثورة ياسمين، ريح طيبة مرت، تسللت من نعوش على مرمى باب الجنة، قالت للظلم" كفى، قالت للاستبداد" تنحّ، قالت للجميع، موصولة بشاعر بلادها الف
ذ: "إذا الشعب يوما أراد الحياة ** فلا بد أن يستجيب القدر".

الأحداث رسالة للقادة العرب هل تونس بداية سقوط أحجار الدومينو؟



يراقب القادة العرب بقلق كيف أجبر المتظاهرون الشبان في تونس الرجل القوي المعمر في البلاد الرئيس زين العابدين بن علي على التنحي، وسط تساؤلات عما إذا كان المشهد سيتكرر في المنطقة.
وتقول وكالة رويترز للأنباء -في تحليل كتبه توم بفيفير- إن قلة تعتقد أن تونس ستكون "غدانسك العرب" لتبشر بسقوط أحجار الدومينو، مثل الذي حدث في أوروبا الشرقية الشيوعية عام 1989.
وذلك في إشارة إلى مدينة غدانسك في بولندا التي انطلقت منها شرارة حركة التضامن التي قادها الناشط السياسي ليخ فاليسا، ولعبت دورا رئيسيا في إسقاط الحكم الشيوعي في أوروبا الشرقية.
ويرى التحليل أن هناك احتمالا ضئيلا لتكرر ما حدث في تونس، وانتشاره بسرعة ليسقط "الحكومات الاستبدادية من الرباط إلى الرياض"، في ظل وجود ما وصفها كاتب التحليل بحركات معارضة ضعيفة ومحبطة.
ويرى أن أحزاب المعارضة والمجتمع المدني في العالم العربي لا تزال تبدو ضعيفة للغاية للاستفادة من السخط، في وقت بدأت فيه الحكومات تفقد قبضتها على تدفق المعلومات.

ولم يتضح بعد –وفق التحليل- ما إذا كان رحيل بن علي سيحسب لصالح الثورة والديمقراطية، أم أنه مجرد تغيير وجه للسلطة القائمة.
ويشير إلى أن البعض يتساءل إلى متى يمكن لحكام المنطقة الآخرين المتشبثين بالسلطة، والذين لا يحظون بشعبية، الاعتماد على ما وصفها بالطرق القاسية القديمة للبقاء في السلطة؟.
وكتب ستيفن كوك من مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة في مدونة هذا الأسبوع "قد لا تكون الأيام الأخيرة (للرئيس المصري حسني) مبارك أو أي من الرجال الأقوياء الآخرين في الشرق الأوسط". لكنه أضاف" لكن من الواضح أن هناك شيئا ما يجري في المنطقة".
بيد أن متابعة الاضطرابات غير المسبوقة في تونس عن كثب عبر القنوات الفضائية والإنترنت في منطقة الشرق الأوسط، حيث ارتفاع معدلات البطالة، وكثرة الشباب، وارتفاع التضخم واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، كلها عوامل تثير قلقا شديدا.
 المظاهرات في تونس تواصلت رغم قمع الشرطة
كسر حاجز الخوف
ورغم أن الديمقراطية حلت في العقود الأخيرة محل الاستبداد في مناطق بالعالم كانت تعاني من الطغاة، فإن الحكومات في العالم العربي تكاد تكون موحدة بالاستبداد والقبضة الأمنية المشددة، وفق التحليل.

ويعتقد البعض أن رحيل الرئيس التونسي -فضلا عن الجهود المبذولة في الجزائر لتهدئة الغضب بسبب ارتفاع الأسعار- قد كسر حاجز الخوف الذي عمر طويلا في المنطقة.
وينقل التحليل عن الطالب اللبناني كمال محسن (23 عاما) قوله إنه "ينبغي على الشباب في جميع أنحاء العالم العربي الخروج للشوارع، وفعل الشيء نفسه، لقد حان الوقت للمطالبة بحقوقنا".
وأضاف أن "القادة العرب يجب أن يكونوا خائفين جدا"، مشيرا إلى أنه عندما ينتصر التونسيون، سيتم كسر الخوف، وما يحدث هناك سوف يكون معديا، مؤكدا أن ذلك ليس سوى مسألة وقت، معتبرا أن ما حدث "أكبر من مجرد حلم في منطقة ظل الناس فيها يرددون: ماذا يمكننا أن نقوم به؟".
وفي هذا السياق قالت إيمان -وهي صاحبة مطعم في مصر رفضت الكشف عن اسمها الكامل- إن "صور الفضائيات والإنترنت التي نراها هذه الأيام تعني أن الناس الذين عادة ما يكونون هادئين يمكن أن يروا آخرين يحصلون على ما يريدون".
تحذير للحكوماتواعتبر كاتب التحليل أن ما وصفها بالدراما التونسية بمثابة تحذير للحكومات العربية التي لا تزال تعتمد على قبضة أمنية مشددة، وتسيطر بقوة على وسائل الإعلام وتسحق المعارضة.
وأشار إلى أنه يمكن للفضائيات الإخبارية والمواقع الاجتماعية على الإنترنت تجنب مثل هذه "التكتيكات الاستبدادية"، وتحويل احتجاج شبان محبطين في مناطق معزولة إلى حركة واسعة النطاق.
وتقول جماعات حقوقية في تونس إن الحكومة حظرت الوصول إلى الكثير من مواقع الإنترنت، لكن ذلك لم يوقف النشطاء عن تحميل أشرطة الفيديو عن متظاهرين قتلوا وأصيبوا خلال الاحتجاجات على الشبكة العنكبوتية، مما أثار مزيدا من الغضب وأعطى زخما للاحتجاجات.
وفي هذا السياق يقول التحليل إن قناة الجزيرة الفضائية غطت أحداث تونس، وعرضت على الهواء مباشرة مقابلات مع شهود عيان وشخصيات معارضة.
وفي ما يبدو اعترافا من السلطات التونسية بتأثير القناة في الرأي العام التونسي بدأ وزراء من الحكومة في الظهور على الهواء لإعطاء وجهات نظرهم بشأن ما يحدث، حيث ألقت الحكومة اللوم في أعمال الشغب العنيفة على ما أسمتهم أقلية من المتطرفين.
 ما حدث في تونس لاقى صدى في دول أخرى
صدى ما يحدث
ولقي ما يحدث في تونس آذانا صاغية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يشكل الشباب دون سن 25 عاما ثلثي السكان، وقدمت حكومات تلك الدول  تنازلات بشأن الوظائف وخفض أسعار الغذاء.
فقد تراجعت أعمال الشغب في العديد من المدن الجزائرية مطلع الأسبوع الماضي، بعد أن وعدت الحكومة بفعل كل ما هو ضروري لحماية المواطنين من ارتفاع كلفة المعيشة. كما أعلنت ليبيا والمغرب والأردن أيضا خططا لتخفيف أسعار السلع الأساسية.

لكن صندوق النقد الدولي يقول إنه مع ارتفاع معدلات البطالة الحالية، فإن المنطقة بحاجة إلى ما يقارب 100 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2020.
ومن خلال تشابه بعض المعطيات، يمكن لأي شخص توقع سيناريو اندلاع ثورة شعبية في مصر التي تستورد نصف طعام سكانها البالغ عددهم 80 مليونا وتصل نسبة التضخم فيها أكثر من 10%.
لكن مع انتشار الأجهزة الأمنية لقمع احتجاجات في الشوارع الكبيرة، واستبعاد طرف المعارضة الرئيسي (جماعة الإخوان المسلمين) من السياسة الرسمية، جاء أكبر تحد لمصر من إضرابات مصنع في حزام دلتا النيل الصناعي.
وقد فشلت حملة على شبكة الإنترنت في مصر للتغيير السياسي، لكن يمكن حدوث هذا التغيير إذا تصاعد الاستياء من التضخم في أسعار المواد الغذائية، يغذيه الشعور بالضيق من الركود السياسي والاقتصادي، وانعدام الفرص والحرية، وخاصة بالنسبة لجيوش الخريجين من الشباب الذين يدخلون سوق العمل كل عام، مع احتمال ضئيل في الحصول على عمل مناسب لهم.
ويقول محللون آخرون إن الإنترنت لديها القدرة على تحويل المطالب المحلية المتفرقة إلى حملة سياسية متماسكة، وأشاروا في هذا السياق إلى ما حدث في إيران في انتخابات عام 2009، حيث ساعد على خروج الحشود إلى الشوارع.

كم تدين تدان ...رحيل بن على .... سقوط نموذج للفساد

 
في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1987 أعلن الوزير الأول التونسي (ووزير الداخلية أيضا) يومئذ زين العابدين بن علي توليه زمام السلطة والإطاحة بنظام الرئيس الحبيب بورقيبة الذي حكم تونس منذ فجر الاستقلال أواسط خمسينيات القرن الماضي.

بدا التغيير هادئا، وقيل لحظتها إن انقلاب بن علي -الذي حلا لمناصريه تسميته تغيير السابع من نوفمبر- إنما هو سرقة لما يمور به الشارع من رفض لسياسات العجوز المريض بورقيبة، الذي لم يعد له من العقل إلا ما يتمسك به بالسلطة.

ورحبت القوى التونسية التواقة للتغيير يومئذ -يساريين وإسلاميين- بالانقلاب الذي لم يطل التفكير في مراميه وأهدافه، وما يمكن أن يحققه، حتى كشر عن أنياب العداوة لليساريين والإسلاميين والعروبيين، مستغلا بعض القيادات اليسارية التي التحقت به على هوان –حسب تعبير بعضهم حينها- ليستخدمها في تصفية اليساريين والإسلاميين معا.

وبنى الرئيس بن علي ما دعي نموذج القبضة الحديدية المتدثرة بالنمو الاقتصادي المعلن، والتحديث الذي يأخذ من العلمانية الغربية في طبعتها الفرنسية نموذجا، مغاليا في رفض التدين وكبت الحركة الإسلامية، ورفض الشعارات العروبية واليسارية والوطنية الجادة.

وتكررت الانتخابات التي كانت المعارضة تعتبرها صورية وفولكلورية، لتكرس بن علي رئيسا لتونس على مدى أكثر من 23 سنة وبنسب نجاح عالية، كما تكرس الحزب الدستوري حاكما مسيطرا على البرلمان والبلديات، لا يقبل أي نمط من المشاركة حتى لو بدت مدجنة.

ولم يكن نظام بن علي ليتساهل مع أي معارضة حتى لو بدت علمانية مستأنسة بسيطة، فلاحق الصحفيين والحقوقيين والمحامين، وتعالت صيحات الحقوقيين في الداخل وفي الخارج ضد رجل وصفوه بالمضطهد لكافة فئات الشعب التونسية، وطنية وإسلامية ويسارية وليبرالية وحتى جهوية.

قبل شهر من الآن انطلقت شرارة التغيير في مدينة سيدي بوزيد الموصوفة لاحقا بالمهمشة، والتي اشتكت جماهيرها مما اعتبرته حيفا في توزيع الثروة، ومع ذلك فإن أي شعارات سياسية لم ترفع يومئذ، حتى بعد أن طبقت المظاهرات الجنوب والوسط والشمال الغربي، تلك المناطق الموصوفة بالمهمشة في سياسات بن على الاقتصادية.

لكن الأوراق اختلط فيها الاقتصادي بالسياسي، وتاقت أنفس الناس للتغيير فطالبوا برحيل بن علي، وتصدرت اللافتات خاصة في العاصمة تونس ومناطق الشمال الشرقي الموصوفة بالمحظوظة، ورفعت شعارات لخصتها إحدى اللافتات قائلة: "خبز وماء.. وبن علي لا".

وفي الأيام الأولى بدا بن علي ممسكا بزمام الأمور يصف المتظاهرين بالإرهابيين، ويعد بمنح 15 مليون دولار لتنمية تلك المناطق، تطورت لاحقا لخمسة مليارات دولار، وصعد القناصة أسطح المنازل، ولم تفلح سياسات الوعيد والتهديد، كما لم يخف الناس عدد القتلى المتصاعد (أكثر من مائة قتيل حسب المعلن حتى الآن).

وطأطأ بن علي لمطالب الجماهير على ألسنة وزرائه ووزيره الأول محمد الغنوشي، بل طأطأ رأسه بنفسه بعد أن أقال مسؤولين كبارا، من ضمنهم وزير الداخلية، كما طأطأ أكثر أمس عندما ناشد الشعب وقف العنف متعهدا بالإصلاح السياسي، ومطالبا بمنحه فرصة، متعهدا بعدم الترشح، وهو ما لم يهدئ المتظاهرين الذين حاصروا وزارة الداخلية التي كانت رمز سلطة اعتمدت على الشرطة، وهمشت القوى الأخرى بما فيها الجيش.

ومهما كان من غبش في مستقبل السلطة الحالي بعد إعلان سفر بن علي وتولي وزيره الأول زمام السلطة، وما إذا كانت الإجراءات المعلنة تعني انتهاء نظام بن علي أو سقوط رأسه فقط، فإن جميع المحللين والقادة السياسيين في تونس ينتهون إلى رأي واحد، هو أن رحيل بن علي يعني "انتهاء نموذج" حكم تونس بعيدا عن التنمية السياسية، تحت شعارات المعجزة الاقتصادية التي كشفتها شرارة سيدي بوزيد، فانفلت الشارع في وجهه وأنهى خياراته الحاسمة بين عشية وضحاها.

لم تكن التصريحات التي تتالت على الجزيرة من حمة الهمامي الناطق باسم الحزب الشيوعي التونسي المحظور، وحمادي الجبالي الناطق باسم حركة النهضة (الإسلامية) التونسية المحظورة، والتي تحمل نفس المضامين، إلا تعبيرا عن حالة إجماع ظهرت في الشارع، وجاء التعبير عنها على ألسنة السياسيين لتكون حقيقة اللحظة المجمع عليها.

عائلات "فاسدة" سادت عهد بن علي

 
سلطت الاحتجاجات الاجتماعية -التي عرفتها تونس على مدار الأسابيع الماضية، والتي انطلقت شرارتها من ولاية سيدي بوزيد- الضوء على عدة قضايا، من بينها الفساد الذي تغلغل في معظم مؤسسات الدولة خلال سنوات حكم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وأتاح لعائلات معدودة على رؤوس الأصابع السيطرة على ثروات البلاد وتحديد مصير العباد.
وعندما يذكر ملف الفساد في تونس فإنه سرعان ما تخطر ببال العارف بالشأن المحلي أسماء عائلات على رأسها الطرابلسي -عائلة ليلى الطرابلسي زوجة بن علي- المصنفة الأكثر فسادا والأكثر جشعا، وبعد ذلك تأتي في القائمة أسماء من قبيل الماطري وشيبوب، وهي كلها عائلات ظهرت ثم سيطرت على الساحة الاقتصادية بشكل سريع خلال سنوات حكم بن علي.
وأمام تشديد الرقابة الداخلية على معظم وسائل الإعلام، وغياب أي محاسبة لأداء النظام الذي قهر رموز المعارضة، ظهرت وبالأساس في العواصم الأوروبية كتب تطرقت إلى النفوذ الكبير لعائلتيْ الطرابلسي والماطيري على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وسيطرتهما على المصالح الاقتصادية.
ضمن هذا الإطار، كشف كتاب "حاكمة قرطاج" -في إشارة لليلى الطرابلسي- لكاتبيْه الصحفييْن نيكولا بو وكاترين غراسييه، معطيات تشير إلى توسع تدخل ليلى الطرابلسي في الشؤون العامة للبلاد، ومنها تعيينها أفرادا من عائلتها في مناصب حساسة.
وأضاف الكتاب أن زوجة الرئيس لعبت أدوارا سياسية هامة جدا، واستحوذت أسرتها على ثروات اقتصادية وامتيازات متعددة.

تواطؤ غربيوفي سؤال للجزيرة حول هذا الموضوع، قالت الصحفية كاترين غراسييه، إن وسائل الإعلام الغربية لم تكن تنشر حقائق حول الموضوع، "ومن هنا جاءت فكرة الكتاب لكشف حقائق هذا النظام".
وأضافت غراسييه -التي أشارت إلى صعوبات اعترت عملية التواصل مع مصادرها في تونس وتعرض بعضهم لمضايقات- "لقد صدمنا بحجم الفساد الذي يقوم به نظام بن علي"، مؤكدة أن تأليف الكتاب تم بجهود تونسيين "زودونا رغم الإجراءات القمعية بالمعطيات والبيانات".
وفي ما يخص الصمت الغربي -على وجه العموم، والفرنسي منه على وجه الخصوص- تجاه فساد نظام بن علي، قالت غراسييه إن هناك أسبابا عديدة تشرح هذا الصمت، منها أسباب ذاتية من قبيل أن شخصيات فرنسية تقضي عطلتها في تونس.
أما الأسباب السياسية، فيأتي على رأسها الرضا الغربي بعد نجاح نظام بن علي في تجفيف منابع الحركات الإسلامية، التي لم تعد بعد سنوات من حكمه "تشكل خطرا على نظامه وحكمه".

ويكيليكس يفضحعلى أن آخر المعطيات حول موضوع الفساد في تونس كشفها موقع ويكيليكس الذي نشر وثائق وصفت محيط بن علي بأنه "أشبه بالمافيا".
وأوضحت هذه الوثائق أن عائلة زوجة الرئيس تورطت في عمليات اعتداء على أملاك الآخرين، وحيازة شركات مشبوهة التمويل، بالإضافة إلى اغتصاب شركات من أصحابها.
اليوم وبعد مغادرة زين العابدين بن علي تونس، بدأ البعض يوجه اهتمامه أكثر إلى موضوع الفساد الذي من المرجح أن يستأثر باهتمام فئات عريضة من الشعب التونسي خلال المرحلة المقبلة، لمعرفة من نهب وكم من الأموال تم نهبها خلال السنوات الماضية.
مصير الماطريوضمن آخر المستجدات المرتبطة بالملف، قال مساعد لرجل الأعمال صخر الماطري صهر بن علي لوكالة رويترز إن الماطري موجود في دبي، وإن تقريرا تلفزيونيا تحدث عن اعتقاله غير صحيح.
وأوضح المساعد -الذي طلب عدم نشر اسمه- أن الماطري في دبي منذ ظهر أمس، وذلك بخلاف ما ذكرته محطة تلفزيون "نسمة" التونسية الخاصة، التي قالت في وقت سابق أمس الجمعة إن الماطري اعتقل مع العديد من أقارب بن علي أمس.
يشار إلى أن الماطري يعد واحدا من أبرز رجال الأعمال في تونس، وقال بعض المحللين -قبل بدء الاضطرابات- إنه يجري إعداده لشغل منصب سياسي رفيع.


١٤ يناير، ٢٠١١

حكام عرب بمستشارين مزورين يغرقونهم في الفساد !


جاري تحميل الصورة


مع اعتراف الرئيس زين العابدين بن علي "الجنرال الأمني السابق" بالمسؤولية وهو موقف "شهم" لم يبادر اليه من ذي قبل اي زعيم عربي وصل السلطة لى متن دبابة كان او بـ "الوراثة" او بـ "التحول" او التصحيح" وهي مصطلحات صارت ثابتة في الذاكرة العربية كقرآن منزل او حديث منسوب للنبي، فإن الزعيم الليبي معمر القذافي عميد كل الزعامات الواصلة الى الحكم بانقلاب استغل المناسبة عند الجار الغربي الذي يحاصر اهله بما يجود به من المشتقات النفطية بين حين وآخر او عبر "سياحة ممجوجة" ثم غلق الحدود على هواه ليدلي بما لدية من "حكمة" المشاركة الشعبية في السلطة.

والعقيد الذي اطلق لجانا شعبية ومؤتمرات في سبعينيات القرن الفائت ومعها أطول اسم لدولة في "الجماهيرية الشعبية الاشتراكية العربية الليبية" نصب بالأمس من نفسه مفتيا في مسالة حقوق الشعوب العربية في ممارسة السلطة. وكأن العقيد القذافي نفسه سمح منذ الانقلاب على الشرعية قبل 42 عاما أشرك شعبه في قرار من يومها أو أنه منحه نافذة يتنفس منها اللهم الا سباقات الخيل والابل ومهرجانات الخطابات في مديح نبي الصحراء وعميد الاشراف وسلطان سلاطين افريقيا وملك ملوكها و.و..وما الى ذلك من القاب جاه وعز وسلطان .. وديكتاتورية ومطاردات للمعارضة وقتلا في عواصم الارض بالسم او الرصاص بينما معارضي الداخل ليسوا بأفضل حظاً فالقيد "حشرهم في سجن كبير" لعل سجن ابو سليم النسخة المصغرة عنه.

لا فض فوه، قال الخميس ان مظاهرات شعوب العالم ضد حكوماتها إلى حرمانها من ممارسة السلطة، وحل مشاكلها بنفسها من خلال جلوسها على الكراسي في مؤتمرات شعبية وفق النظام الجماهيري الذي تطبقه بلاده.

وتابع في خطاب أممام أحد المؤتمرات الشعبية في مدينة سبها عبر التلفزيون الليبي مباشرة قائلا: "لو أن كل الشعوب جالسة على الكراسي في المؤتمرات الشعبية تمارس السلطة وتحل مشاكلها لما وُجدت أزمة في العالم ولا مظاهرات ولا تمردات ولا إطلاق نار أو رصاص أو حرائق في كل مكان في العالم".

واعتبر صاحب الكتاب الخضر، في هذا الخصوص أن كل الأحداث التي تجري في العالم هي من صنع "حفنة من البشر" الذين يتحكمون في مصير الشعوب ويقدمون لها "برامج مزورة" خلال الانتخابات يتضح فيما بعد بأنها مجرد "دعاية انتخابية".

وشدد في هذا الصدد، على ضرورة أن تتولى الشعوب بنفسها السلطة، "لحل مشاكلها ومعالجة ظروف معيشتها"، مذكرا بأن الذين يمارسون السلطة نيابة عن هذه الشعوب قد "وقعوا في مشاكل كثيرة". ولفت إلى الأنظمة النيابية فشلت في تحقيق طموحات ورغبات هذه الشعوب، مدللا على ذلك بخروج الناس للشارع باعتباره "مؤتمرها الوحيد في هذه الحالة".

ونبه القذافي إلى أن السلطة في هذا العصر تختلفا عنها في العصور التي قبلها، مبينا أن السلطة أيام كان يتحكم فيها الملوك والأباطرة والسلاطين "تختلف عنها اليوم لأنه أصبحت تخص معيشة الناس".

ولم يكتفي العقيد بنقد واقع الحال في محيطه العربية حيث الديكتاتوريات المحنطة هي صاحبة القرار ومتلُها الابهى موجود في جماهيرية العقيد ننفسه، بل انه امتد في كلامه الى قلاع الديموقرطية ذاتها، فهو يتسال: "لماذا تخرج الجماهير بالملايين في الشوارع بأميركا وبريطانيا ضد الحرب في العراق أو أفغانستان"؟ موضحا أن السبب يعود إلى أن تلك "الجماهير لم تقرر ذلك".

وقال "لو كانت السلطة بيد هذه الشعوب وجلس الشعب الأميركي والشعب البريطاني كل واحد منهما، في مؤتمرات شعبية، لقرر كل واحد منهم عدم إرساله أبنه؛ لكي يموت في مستنقعات العراق أو جبال أفغانستان".

ولفت في هذا الصدد إلى أن شعوب الغرب ليست كلها تعادي في العرب أو الشرق "ولكن حفنة من الحكام الذين يحكمونها هم الذين يعادون الآن في العرب أو الشرق ويحاربون في الإسلام وفي العرب وفي أفغانستان وفي العراق".

هنا نجدها مناسبة ليس للرد على العقيد او تحليل ما جاء به الرئيس التونسي من اعترافات قد تكون هي الأخطر في تاريخ حاكم في العالم على الإطلاق، وحيث ان العقيد صار "عقدة أبدية لا حل لها في الحال الليبي المحاصر" فانه مع اعترافاته كان المؤمل من زين الابدين بن علي سيد قصر قرطاج ان يعلن تنحيه بعد الخطاب.

وخطوة مثل ما كنا نأمل ويأمل معنا الشعب التونسي "وهي اعلان الاستقالة" كان يُمكن لها أن تُدخل  الرئيس بن علي التاريخ من أوسع بواباته ثم انها قد تكرس شرعة ومنهاجا يجتبيها كثيرون من حكام العالم العربي والإسلامي سواء من أتي منهم للحكم بالوراثة في ملكيات كل منها يدعي شرعية اختلقها لنفسه او على متن دبابة حاصر بها الحاكم السابق واطاحه كونه طاغية لا يستجيب لمطالب الجماهير.

صحيح ان الرئيس التونسي اعترف بأنهم "غلّطوه وقدموا له التقارير الغلط" لكنهذا لا يعفيه شخصيا من المسؤولية .. مسؤولية اختيار وتعيين هؤلاء هؤلاء الوزراء والمستشارين والخدم والحشم الذين منحوا السلطات كاملة في القصر الجمهوري وفي ساحة الشعب والسلطة، ومن اعطاهم المسؤولية عن الاستماع اليهم وحدهم دون غيرهم، وتصديق ما يقولونه في اذنه، والأخذ بتوصياتهم بل ودسائسهم، واحتقارهم للشعب ومطالبه.

بالتأكيد ليس الحل الاعتراف امام الشعب التونسي بتحمل المسؤولية بالأخطاء وحسب، كان ما "يُشفي غليل التونسيين" هو الاستقالة ولا غيرها، وساعتها يمكن ان يختط زين العابدين بن علي ما لم يختطه قبله من ذي قبل، قبل ان يجيء ضابط او جنرال ليقوم بمهمة "التحول أو التصحيح" من جديد وهكذا ..

كثيرة هي زمر المستشارين والبطانات التي تحيط بالحكام العرب، هذه الزمر من الناس موجودة حيثما كان في قصور رؤساء وملوك العرب وحكامهم، بالطبع ليست هي الشعوب التي جاءت بهم ونصبتهم قيمين على السطوة والقرار. وليست هي مصادفة ان يبادر في الشرق العربي الملك عبدالله الثاني الى اصدار اومره الى حكومته بضرور تلمس احتياجات المواطنين وضرورة اتخاذ اجراءات عاجلة لتخفيف اعباء الأزمة الاقتصادية وخفض اسعار المشتقات النفطية التي رفعتها حكومات الملك المتعاقبة تسع مرات في غضون ثلاث سنوات.  

الم يكن الملك عبدالله الثاني يحس بمعاناة شعبه وهو الزائر الدائم لنواحي مملكته بادية واريافا ومدنا ومخيمات ؟ أم ان تلك الجولات لا أكثر من "بروتوكولات" ينفذها مستشارون ووزراء مقربون صار بيدهم الحل والربط وصولا الى "المكياج الاعلامي للملك" وعرض صوره معانقا هذه العجوز او ذلك الكهل في هذه القرية او ذلك المخيم وكان امرا اعلاميا كهذا يشبع الناس ويخفف عنها ضنك معيشتهم ويحميهم من غوائل ارتفاع الاسعار بما في ذلك اسعار البندورة التي ترتفع حالها حال المشتقات النفطية .. بينما وحده "الانسان الأردني .. وهو أغلى ما نملك - كما يقال في الخطاب السياسي الاعلامي - الذي يتراجع ثمنه ووزنه وقيمته ووجوده" !.

من اغادير في الغرب حتى المحرق في الشرق العربي المنهك، حق على حكام العرب كافة، ولا استثناء لأي منهم، كلام الوزيرة هيلاري كلينتون في  منتدى المستقبل في الدوحة الخميس: أصلحوا حالكم وانتهجوا الاصلاحات سبيلا .. وإلا هناك من هم جاهزون للحلول مكانكم !.. فالمنطقة ومؤسساتها تغرق في الرمال وفي الفساد سواء بسواء .. هناك أوطان وشعوب تتشتت وتتمزق وتنفصم .. فمن المسؤول !؟.

.. بالتأكيد سيلقون اللوم على: الصهيونية والماسونية والامبريالية !

لا تنخدعوا يا توانسة..... إنهامؤامرة




بعد انتظار امتد من الصباح، أطلّ الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مساءً ليلقي خطاباً، يمكن وصفه بأنه «استسلامي» أو «ممهّد للنهاية»، واعداً فيه بجملة من الإصلاحات الديموقراطية وإطلاق الحريّات.

غير أن الناشطين السياسيّين في البلاد اتفقوا على رفض المضمون في ظل الحريق الممتد في كل أرجاء تونس   بينما كانت «تونس تحترق»، بكل ما للكلمة من معنى، ولا سيما أن احتجاجات أمس تميّزت بالنيران التي أضرمت في الكثير من المؤسسات والمتاجر التي تعود ملكيّتها لعائلتي بن علي وزوجته، خرج الرئيس التونسي زين العابدين بن علي على شاشة التلفزيون ليلقي خطاباً مسائياً، كان من المقرر أن يلقيه من على منبر البرلمان في الصباح. 


غير أن بن علي فضّل الاعتصام في قصره القرطاجي، ليطلق منه جملة من الوعود أعطت لخطابه «الطابع الاستسلامي»، وسط تشكيك المراقبين في قدرته على احتواء الموقف، ما يترك لبن علي، ربما، فرصة الإطلال مرة أخرى في «خطاب النهاية»، قبل الوصول إلى موعد انتخابات عام 2014، التي قال إنه لن يترشّح إليها. «فهمتُ التونسيين»، بهذه الجملة اختار بن علي أن يستهل خطابه، معلناً أنه أعطى أوامره لوزير الداخلية أحمد فريعة بوقف إطلاق الرصاص على المتظاهرين.

وأشار إلى أنه كلف رئيس الوزراء محمد الغنوشي باتخاذ «الإجراءات المناسبة لخفض أسعار المواد والمرافق الأساسية من خبز وحليب، ورفع ميزانية الدعم». وفي محاولة للنأي بنفسه عن كل التجاوزات التي ارتكبها وأسرته وعائلة زوجته، ادّعى الرئيس التونسي بأنه «تعرض لعملية مغالطة في ما يتعلق بمجالي الديموقراطية والحريات»، قائلاً إن الأمور «لم تجر كما أرادها أن تكون»، واعداً بفتح مجال الديموقراطية والتعددية الحزبية.

وتعهد بدعم الحرية الكاملة للإعلام بكل وسائله، وعدم غلق مواقع الإنترنت، ورفض أي شكل من أشكال الرقابة عليها، «لكن مع الحرص على احترام الأخلاقيات ومبادئ المهنة الإعلامية». الخطوة الاستسلاميّة الأبرز لبن علي كانت إعلانه عدم «خرق الدستور» والترشّح إلى ولاية رئاسيّة جديدة في عام 2014.

ورغم أنه سبق أن خرق الدستور، عبر تعديله في عام 2002، حين فتح عدد مرات الترشّح، فإن الخرق الذي يجري الحديث عنه اليوم هو سنّ الرئيس، إذ تنص المادة 40 من الدستور التونسي على ضرورة أن يكون المرشح للرئاسة يوم تقديم ترشيحه بالغاً من العمر أربعين عاماً على الأقل، وخمسة وسبعين عاماً على الأكثر، وهو العمر الذي يبلغه بن علي اليوم.

رفض خرق الدستور في هذا المجال يعدّ نغمة جديدة على لسان بن علي، الذي سبق أن أطلق أصواتاً في تونس في أيلول الماضي، تنادي بتعديل هذه المادة وفتح المجال أمام ولاية رئاسيّة سادسة. غير أن ما كان متاحاً في أيلول، لم يعد ممكناً اليوم. ولذا، أعلن بن علي «أنه متمسك برفض الرئاسة مدى الحياة، وأنه سيعمل على صون دستور البلاد واحترامه، وعدم الترشّح إلى الانتخابات الرئاسية في عام 2014».

وإضافة إلى هذه التعهدات، أعلن بن على تأليف «لجنة مستقلة» للتحقيق في الأحداث والقتلى الذين سقطوا ومحاسبة المسؤولين. غير أن الكثير من المراقبين رأوا أن الخطاب جاء متأخراً، ولن يكون له أثر على حركة الاحتجاجات، التي زادت رقعتها أمس. وكان أبرز خبر تناقلته الأوساط في تونس وخارجها، أمس، هو هروب زوجة الرئيس التونسي ليلى الطرابلسي وابنتها، زوجة رجل الأعمال صخر الماطري.

وقالت أوساط تونسية لـ«الأخبار» إنّ بن علي باشر بإجلاء عائلته مخافة أن يتعرض لسيناريو شبيه بسيناريو سقوط الديكتاتور الروماني نيكولاي تشاوشيسكو. وأكدت أن مبعث خوف بن علي هو أن تزحف حشود المتظاهرين نحو القصر الجمهوري في قرطاج، وأن تساندها قطعات من الجيش، الذي رفض حتى الآن المشاركة في أعمال قمع المتظاهرين، واكتفى بحراسة المرافق العامة والهيئات الدبلوماسية.

وجرت يوم أمس وليل أول من أمس مواجهات في ضواحي العاصمة أدّت إلى سقوط ثمانية قتلى، ليزداد عدد الضحايا إلى 66 شخصاً. وأفاد مراسلو وكالات الأنباء بأنّ أصوات إطلاق النار كانت تُسمع طيلة يوم أمس، كما أضرم المحتجون النيران في مؤسسات ومتاجر تعود ملكيتها لعائلتي بن علي وزوجته. وفي مدينة الحمّامات الساحلية، أحرقت أمس منتجعات سياحية، ودُمّرت ممتلكات تعود للقطاع الخاص، أو ما بات يعرف بـ«بارونات الفساد». وقال مصدر نقابي إنّ «تونس تحترق»، ولا سيما بعدما امتدت نيران الاحتجاجات نحو مدن أخرى مثل نابل وقفصة في الجنوب.

أضاف إن وتيرة الحرق ارتفعت بصورة كبيرة أمس. واتهم ميليشيات عائدة للنظام بارتكاب أعمال النهب والحرق لتشويه صورة الانتفاضة السلمية. على صعيد آخر، انسحب الجيش أمس، جزئياً، من العاصمة التونسية، حيث تمركزت وحدات خاصة من القناصة تابعة للشرطة في وسط المدينة، بعد الأنباء التي تحدثت عن بوادر تمرد في صفوف الجيش. لكن مصادر قالت لـ«الأخبار» إن سحب الجيش اقتصر على طريق مرور بن علي بين قصر قرطاج والبرلمان في باردو، حيث كان من المفترض أن يلقي خطاباً.

وفي سياق الإجراءات التي درج بن علي على اتخاذها، أعفى أمس مستشاره عبد الوهاب عبد الله، الذي سبق له أن شغل منصب وزير الخارجية، وكذلك الناطق الرسمي باسم الرئاسة عبد العزيز بن ضياء. وتناقلت وكالات الأنباء خبر استقالة وزير الخارجية كمال مرجان، الذي تولى هذا المنصب في كانون الثاني من السنة الماضية. وتحت ضغط الاحتجاجات، استقبل رئيس الوزراء محمد الغنوشي وفداً من النقابات وأحزاب المعارضة للاستماع الى المطالب قبل خطاب بن علي. 

التونسيون يحتفلون بلحظة حرية نادرة .... الله كم طعم الأنتصار جميل


 http://www.aaram.net/Uploads/thumbs/t_634306021247060000.jpg


خرج التونسيون من بيوتهم إلى شوارع وطن بدا مختلفا بعد ان شاهدوا رئيسهم على شاشات التلفزيون يوم الخميس وهو يحدد موعدا لتنحيه عن الرئاسة.

فقد أعلن الرئيس زين العابدين بن علي الذي رأس تونس لاكثر من 23 عاما تحت ضغط من أسابيع من الاضطرابات في خطاب تلفزيوني مشحون انه لن يخوض انتخابات الرئاسة عام 2014 كما أمر الشرطة بالامتناع عن اطلاق النار على المحتجين ووعد بتحرير وسائل الاعلام.

وأخذ التونسيون الذين كانوا يئنون تحت القيود التي فرضتها ادارته على الحريات المدنية يلوحون بالاعلام ويرقصون ويطلقون أبواق السيارات ويرددون النشيد الوطني.

وفي حي لافايات -منطقة التسوق الرئيسية بالعاصمة- حيث اطلقت الشرطة التونسية قبل ساعات النار على محتجين تجاهل مئات من الناس حظر التجول ونزلوا الى الشوارع بعد انتهاء كلمة بن علي.

وقال محمد علي في منطقة لافايت "لم نتوقع هذا الخطاب. أهم شيء الحرية الحرية الحرية."

وقالت سونيا عياري وكانت من المحتفلين في الشوارع "نحيي شجاعة بن علي حتى لو جاءت متأخرة."

وفي حي العمران على مشارف العاصمة التونسية تدفقت النساء على الشوارع في تجاهل لحظر التجول الذي فرض قبل يوم وهن يهتفن "يعيش بن علي".

حتى في مدن وبلدات الاقاليم الفقيرة التي كانت بؤرة حركة الاحتجاج حيث أطلقت الشرطة النار على العشرات خلال اشتباكات مع المحتجين كان عدد كبير من الناس -وان لم يكن كلهم- مبتهجين.

وقال اسماعيل صميدة وهو نشط نقابي في بلدة تطاوين على بعد 500 كيلومتر من العاصمة تونس "بعد يوم من اعمال العنف كل شيء تبدل. لم يبق الان سوى البهجة. خرج نحو 4000 شخص ليقولوا للرئيس شكرا."

ولكن ما زال هناك غضب من بن علي في بلدة قصرين مسرح بعض من اشد الاشتباكات الدموية مع الشرطة. وقال ساكن من اهالي البلدة يدعى محسن نصري بالهاتف "الناس هنا لا يمكنهم ان يفرحوا لان بلدتنا أصيبت اصابة بالغة."

واضاف قوله "هناك اشياء طيبة في الكلمة (التي القاها الرئيس) لكن كنا نتوقع اعتذارا لبلدتنا."

وفي سيدي بوزيد البلدة التي بدأت فيها موجة الاضطرابات حين أشعل شاب النار في نفسه في ديسمبر كانون الاول احتجاجا على البطالة قال نشطون نقابيون ان عددا قليلا من السكان عبر عن ابتهاجه بالرقص والغناء.

حتى التلفزيون الرسمي الذي كان عادة يغطي شؤون الدولة ويخلو من اي نقد للسلطات تغير فجأة. فقد ظهرت على شاشته مساء الخميس شخصيات معارضة للرئيس مثل توفيق العياشي ورئيس نقابة الصحفيين المقال ناجي البغوري اللذين كانا ممنوعين من التحدث على الاثير بسبب وجهات نظرهما المعارضة للحكومة.

ولاحظ المشاهدون مناقشات حامية عن وسائل الاعلام التونسية كسر خلالها أحد الضيوف واحدة من المحرمات وانتقد أحد أفراد أسرة الرئيس.

كما لوحظ التغيير أيضا على الانترنت. وعادت مواقع على شبكة الاتصالات الدولية كانت قد حجبت منذ اسابيع ومنها موقع يوتيوب وديلي موشن عقب خطاب بن علي. كما امكن الدخول الى موقع الصحيفة الفرنسية لوموند لاول مرة منذ شهور.

وحاولت الحكومة التونسية منع المعارضة من استخدام الانترنت خاصة المواقع الاجتماعية لتنظيم تحركاتها ونشر المعلومات مما قوبل بانتقاد هذا الشهر من وزارة الخارجية الامريكية.

وقال شخص شارك في المناقشات على الانترنت باسم ايمن "نلنا حريتنا بعد 23 عاما.. الحرية أخيرا.

١٠ يناير، ٢٠١١

الأحداث تتلاحق .........ماذا بعد؟!


 شهيد التعذيب السيد بلال

ما معنى أن يموت مواطن مصرى فى قسم الشرطة أو داخل مقر احتجاز تابع لأمن الدولة دون أن يصدر بيان رسمى، جامع مانع، يفسر الواقعة ويحدد المسئول عن وفاة هذا المواطن، بل ودون أى إحساس بالندم أو الحزن، أو حتى التعزية لأهل الضحية؟!

ما جرى فى واقعة المواطن سيد بلال، المنتمى للتيار السلفى فى الإسكندرية، يكشف عواراً كبيراً فى طريقة أداء وزارة الداخلية أمام هذا النوع من الحوادث.. لا أريد هنا أن أستبق نتائج التحقيق القضائى فأتهم الضباط المسئولين عن احتجاز سيد بلال بقتله عمدا أو خطأ، لكن ضميرى لا يقبل أن يكون الموت فى غرف التحقيقات سهلاً إلى هذا الحد، وأن تكون أرواح الناس أيا كانت الاتهامات الموجهة إليهم رخيصة إلى هذه الدرجة، التى لا يستحقون فيها برقية تعزية أو بيانا للتوضيح أو تعويضا مناسبا لحجم المأساة.

الداخلية هنا لا تستطيع أن تتعامل مع سيد بلال بنفس الطريقة التى تعاملت بها مع مقتل خالد سعيد، فتاريخ سيد كمواطن ملتزم بالمنهج السلفى يحول دون اتهامه بتعاطى لفافة من البانجو أو قطعة من الأفيون، كما أن حادثة كنيسة القديسين التى احتجز بسببها هذا الشاب ترجح أن تكون معاملة المحققين خشنة، إلى الحد الذى يرفع من أسهم إساءة الظن بمن اعتقلوه ومن احتجزوه ومن باشروا التحقيقات معه فى مقر أمن الدولة.

أستطيع أن أفهم طبعا قدر التوتر الذى عاشه صغار وكبار الضباط فى مديرية أمن الإسكندرية أو فى فرع مباحث أمن الدولة بالمحافظة، وأفهم أيضا حجم الضغوط الهائلة التى تحملها هذا الفريق إزاء جريمة التفجير فى الكنيسة، لكن هذه الأجهزة نفسها تتحمل المسئولية بلا شك فى عدم القدرة على التنبؤ بهذا التفجير، وعدم الحيطة فى تأمين واحدة من أكثر الكنائس المستهدفة فى مصر داخل محافظة الإسكندرية.. فلا يجوز إلقاء الفزع فى قلوب الأبرياء بحجة التوتر، ولا يجوز تغطية التقصير الأمنى لأجهزة محافظة الإسكندرية عبر توسيع دائرة الاعتقالات بين المشتبه بهم دون معلومات حقيقية، وبغير هدى أو بصيرة أو أسس منطقية للبحث الجنائى.

أستطيع أن أفهم أيضا أن وزارة الداخلية لم تكن ترغب أن تنتهى حياة سيد بلال بين يدى رجالها على هذا النحو، على الأقل فى هذا التوقيت الذى تحتاج فيه إلى الدعم الجماهيرى لا إلى غضب المسيحيين والمسلمين فى وقت واحد، وأستطيع أن أفهم أيضا أن القيادات العليا للوزارة قد تكون غاضبة لما جرى، على الأقل هؤلاء الذين يبذلون جهداً خارقاً لتصحيح صورة رجل الأمن فى الشارع، لكن محاولتى هذه للفهم أو للتفهم لا يمكن أن تقبل الطريقة التى جرى بها التعامل مع أسرة سيد بلال، فالخشونة تطل من التفاصيل، وتذكروا أن خشونة مماثلة ربما تكون قد أدت إلى أن تفيض روح هذا الشاب المسكين!

أسرة سيد بلال لم تطلب أكثر من تفسير عادل للواقعة، تفسير يقطع الطريق على أن تولد بذور الكراهية فى القلوب، أو أن تتحرك غرائز الانتقام فى الضمائر والصدور، فالراحل ينتمى إلى أسرة صغيرة هى عائلته المجروحة، وينتمى فى الوقت نفسه إلى أسرة أكبر هى التيار السلفى الذى لا يمكن الاستخفاف بردود فعل أعضائه إن غاب الحق وضاع العدل تحت شعارات التوتر أو الضغوط أو التبريرات الهزيلة والبيانات المقتضبة التى تقدمها الداخلية.

وضع البلد لا يحتمل المزيد من الاشتباكات، كما لا يحتمل المزيد من تحريك مشاعر الغضب فى الصدور، يكفينا ما جرى فى الكنيسة، ويكفينا أيضا تلك الخلايا النائمة التى تحرك عواصف الدم والموت فى البيوت الآمنة، ولذلك يجب على وزارة الداخلية أن تبادر إلى فعل أكبر من البيانات المقتضبة التى تقدمها للصحف بخجل وحذر، ينبغى على الوزارة أن تأسف لما جرى على عينها وفى مكاتبها، وينبغى على الوزارة أن تظهر لأسرة الراحل القدر المناسب من التعاطف وحسن المعاملة، وينبغى عليها أن تقدم لهذه العائلة المكلومة ما يطهر قلبها من الأسى وما يدفعها للإيمان بأن قدر الله كان أسبق من بطش المحققين.

وإن لم تقتنع هذه العائلة بعدالة هذه المعلومات فلن تقتنع مصر بأكملها، وأنا معهم، وإن لم تتحرك الداخلية للاعتذار والتوضيح بالشكل اللائق فسوف تؤمن مصر بأكملها أن الأرواح لا تساوى شيئا بين يدى الشرطة، وأنا معهم أيضا.

الوقت لم يأزف بعد، وما زالت الفرصة قائمة، فلا ترتكبوا خطيئة تعصف بأمن مصر لأن الأمن الحقيقى يبدأ من إحساسنا نحن المواطنين أنكم تطبقون العدالة ولا تبتغون سوى الحق، وأن أرواح الناس ليست لعبة بين أيديكم..
خالص العزاء لأسرة سيد بلال..........

Popular Post