عفو ممن لا يملك عمن لا يستحق

يطنطن البعض اليوم بالدعوة إلى العفو عن رموز الفساد من النظام البائد ، بمن فيهم من ثبتت عليهم تهم الانتهاك لحرمات الشعب ونهب ثرواته وإفساد الحياة العامة على كل صعيد ، ولا أدري كيف واتتهم الجرأة على التصريح بالدعوة إلى العفو عن هؤلاء المجرمين ، بل والدعوة إلى العفو عن رأس النظام ذاته ، وهو المسؤول الأول عن كل هذه الجرائم.. نعم إنها جرأة متبجحة تجاوزوا بها الشرع وأهدروا بها حقوق المقهورين المظلومين بدم بارد.
فمن ذا يملك حق العفو عن أنفس أزهقت بغير حق ، أو حقوق سلبت ليس لغير أصحابها التنازل عنها ؟
لقد اختص الله تعالى أولياء القتيل وحدهم بحقهم في القصاص أو العفو إن شاءوا.. (وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً) [الإسراء : 33]، عفو مع الدية الواجبة أو بالتجاوز عنها ، ودية القتيل حق محفوظ لأوليائه وإن كان القتل خطأً ــ فرضاً ــ ، وهي أيضاً حق مضمون وإن كان القاتل مجنوناً أو مغلوباً على عقله ، ما يدل على أن دم القتيل بغير حق دم مصون لا يهدر بحال.
والذي يهمنا التأكيد عليه هنا ، أن صدور العفو عن غير أولياء القتيل تصرف فضولي لا اعتبار له في ميزان الشرع ، ومن يتصرف في هذا الحق من غير الأولياء أو يدعو إلى سلبهم إياه ــ ولو بمنحه للأمة ــ تصرف بما لا يملك ، ثم إنه يسعى إلى العفو عمن لا يزال الكثير منهم غير مقدور عليه أو غير مقدور على استرداد ما سلبه.
وإذا شاء هؤلاء أن يعاملوا سفكة الدماء وسراق الثروات ومشيعي الفساد بالعفو ؛ فإنه يلزمهم أن يحصلوا على توقيع كل من كانت له مظلمة بالموافقة على العفو ، وذلك يشمل 85 مليون نفس أو يكاد ، وإذا اتفق لهم هذا ــ وهو بعيد ــ فأنى لهم أن يحصلوا على عفو كل من ماتوا ولهم مظلمة على مدار ثلاثين سنة ؟ بل أنى لهم أن يحصلوا على رضا أجيال تالية ستعاني من توابع وتبعات ظلم وفساد تجذر وتشعب وخلف وراءه من التلوث والفساد السرطاني ما ستبقى آثاره إلى أمد غير معلوم؟
وإن تعجب فعجب استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم ــ لأهل مكة يوم فتحها ــ : ” اذهبوا فأنتم الطلقاء ” !! إذ لا وجه للقياس هاهنا ، والفارق واضح جلي لمن تأمل..
ذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو ولي المؤمنين جميعهم.. (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) [الأحزاب : 6]. ومن لم يكن له أولياء يومئذ من المسلمين ــ كمن قتل قبل الفتح ــ فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليه ، وفي الحديث : ” أنا ولي من لا ولي له ” (1) ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلق أهل مكة بمقتضى ولايته ، فهو ولي المؤمنين جميعاً.
هذا من جهة الحق في دم القتلى ، أما الأموال فقد تملك المسلمون مكة يوم الفتح بطبيعة الحال ، وتمكنوا من استرداد ما سلبوا.
ثم إن إطلاق أهل مكة كان مع التمكن والغلبة ، أي كان عفواً عند المقدرة ، وهي مقدرة على الجاني وعلى استرجاع ما سلبه.
ذلك مع ما كان يرجى بإطلاقهم من تأليف قلوبهم على الإسلام وهم أهل بلد بأسره ، وحصول المصلحة في ذلك لا ريب مؤيد بالعصمة النبوية ، ومع افتراض أنه اجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فهو اجتهاد لو لم يكن صائباً لرُدَّ بوحي. وهو ما لا يتسنى لآحاد المجتهدين ، فالقول بالمصلحة في العفو عن هؤلاء القتلة اللصوص قول مطنون لا يمكن القطع به من ثم لا وجه للإلزام به.
ثم إن هؤلاء المستدلين بإطلاق أهل مكة ، ذهلوا أو تغافلوا عن أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأخذ نفر بأعيناهم سماهم ، لم يعفهم من المؤاخذة ولو تعلقوا يأستار الكعبة.
وهذا كله فيما يتعلق بحقوق المخلوقين ، أما ما يصنف من تجاوزات النظام البائد جرائمَ خيانة كموالاتهم أعداء الأمة ، من خلال اتفاقيات وتحالفات تمنح أعداءنا بعض حقوقنا ، ومن خلال مشاركتهم أعداء الأمة في العدوان على الأمة في العراق وأفغانستان ، وفي فلسطين ، والمثل جلي في حصار غزة.. فهذا حق جمعي مرده إلى الأمة.
وكذلك ما يتصل بقضايا الاعتقاد وارتكابهم أعمال وأقوال زأفكار كفرية بالمباشرة أو بالدعوة إليها ، وإقصائهم للشريعة ، وحربهم لمظاهر الإسلام ، وخنق الدعوة إلى الله وتأميم وسائلها ، وتعمد تلبيس قضايا الشرع على العامة وفتنتهم عن الهدى ؛ فهذا ما لا سبيل للعفو عنه ، إذ إنه حق لله تعالى ، لا صلاحية لمخلوق في التجاوز عنه.
وكذلك ما يتصل بجرائم تستوجب إقامة الحدود ، كالسرقة ، والزنا ، والقذف ، وشرب الخمر والإتجار بها والترويج لها ، والاستعلان بأقوال أو أعمال كفرية ؛ فهذا أيضاً مما لا سبيل إلى العفو عنه ، أو الشفاعة في مرتكبيه ، وفي الصحيح ـ من حديث عائشة رضي الله عنها ـ ” أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت ، فقالوا : من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن يجترئ عليه إلا أسامة ، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ” أتشفع في حد من حدود الله ” . ثم قام فخطب ، قال : ” أيها الناس ، إنما ضل من كان قبلكم ، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه ، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد ، وأيم الله ، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ” (2).
ولكن لماذا يطنطن المطنطنون بالدعوة إلى العفو ؟
فريق منهم يحسب أن في ذلك إظهاراً لسماحة الإسلام ، أو لسماحة ما يتبنى هو من رؤى وأفكار ، ولما في ذلك ـ طبعاُ ـ من التأكيد على اعتدال منهجه ، وربما دعا ـ مع ذلك ـ إلى محاسبة المسؤولين عن الفساد ، وهو ما لا يستقيم مع ما سبق أن قررناه من حقوق لا مرجعية فيها إلا إلى أصحابها ، وحقوق لجماعة المسلمين تملكها الأمة بأسرها ، وحقوق ثابتة لله تعالى مستقلة أو منفصلة عن حقوق المخلوقين.
ومما يغري بهذا النهج النشاط المحموم لبعض الإعلاميين والسياسيين الذين يروجون لفكرة العفو ، مجتهدين في إدراج ما يعدونه سماحة ضمن مفردات السمت الحضاري للثورة !! كما يشغب هذا الفريق على المطالبين بالمحاسبة والثأر والقصاص بالحديث عن الشماتة وكأنها نقيصة تشين المطالبين بالثأر ، ولست أدري من أين أتوا بهذا التجديل المغرر الذي يزعمون فيه أن إشفاء صدر المظلوم وإذهاب غيظه بمعاقبة عدوه يُعد شماتة ؟ فإن كانوا يُعدِّون ما يرافق ذلك من الابتهاج والفرح والغبطة شماتة فليكن.
ومن أين لهم أن الشماتة مذمومة بإطلاق ؟ لقد وهموا إن ظنوا أن لهم حجة في حديث ” لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك ” (3) ، فإنه ظاهر في المنع من إظهار الشماتة لا منع الشماتة نفسها. على أن شماتة المظلوم بظالمه حين ينال منه بالقصاص العادل أو باستخلاص الحق ليس مما يشمله الحديث ، بل الحديث محمول على ما يلحق بالظالم من عقوبة ربانية وانتقام إلهي ، لا على حالة القصاص المشروع الذي تهدأ به ثائرة النفوس حتى لا يبقى بين الناس منزع للتباغض والتقاتل والثارات المسرفة المنفلتة من قواعد العدل ومظاهر التراحم.
وفريق منهم لا يزال متشككاً في إمكانية التغيير ، فهو يعمل حساباً لغد قد يُبقي على هؤلاء المفسدين ، ليكون له عندهم يومئذ من اليد ما يجد به لنفسه وضعاً متميزاً ولقدمه موضعاً. أي على قاعدة إمساك العصا من منتصفها.
وفريق منهم هو في حقيقة الأمر حريص على إبقاء بعض الأوضاع التي يدرك أنه لا سبيل إلى حفظ مصالحه الشخصية ومكتسباته إلا بالإبقاء عليها ، فهو لم يُحصِّل ما حصَّل ولم يكتسب ما اكتسب إلا في ظل تلك الأوضاع.
وإلا فكيف نفسر مواقف من لم يزل يتلمس للمفسدين الأعذار ، لقد بلغت الوقاحة ببعضهم إلى حد التبجح بادعاء براءة الشرطة نفسها !!
ومن هؤلاء وأولئك من يتستر بالحديث عن أهمية التركيز على المستقبل والانشغال بما هو آت والالتفات عما كان وطي صفحة الماضي.
أقول : وهل يؤسس المستقبل المأمول إلا على حاضر تنظف وتطهر من تلوثات الماضي ؟ ولا سبيل إلى ذلك إلا في التخلية قبل التحلية ، كما تقوله الفلاسفة ، فلا بد من إزالة القواعد الناخرة قبل وضع أساسات البناء الجديد ، والثورة في أصل معناها هدم لبناء متهالك وتشييد لبناء جديد رصين.
إنه قول واحد يتفق عليه العقلاء : ثلاثون سنة من الفساد الناخر في كيان الأمة المتغلغل في كل أوصالها ؛ لا يمكن ان يصلحه الترميم.
ألا إنه لا مناص من قطع دابر الفساد إذا شئنا استرداد عافية الأمة ، ولا محيد عن ذلك ـ إن شاء الله تعالى ـ ولا محيص ، وهو موعود الله تعالى وسنته في خلقه.. (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) [الرعد : 17]. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف : 21].
وكتبه : الداعية المصري / محمد مصطفى المقرئ إمام وخطيب مركز المنار ـ بريطانيا والأمين العام للرابطة الإسلامية للعاملين بالكتاب والسنة سابقاً صباح 05/03/20011م ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه ابن قطان : (3/ 540) وصححه.
(2) صحيح البخاري : (6788).
(3) سنن الترمذي : (2506).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق