٢٠ فبراير، ٢٠١١

سقط الرمز وبقي الفساد و زمرة موالاة الرمز الفاسد


http://www.tobycool.com/uploads/articles/4601d3c2a791b6a023c4.jpg


"لو ثار قومي على حكامهم الطغاة وماتوا جميعاً متمرّدين، لقلتُ إن الموتَ في سبيل الحريّة لأشرفُ من الحياة في ظلال الإستسلام. وقال جبران أيضاً: وإن كان هناك طاغية تودُّون خَلعَه عن عرشه، فأنظروا أولاً إن كان عرشُه القائمُ في أعماقكم قد تهدم. وإن كان همًّا ترغبون في التخلص منه، فإن ذلك الهمَّ إنما أنتم إخترتموه ولم يَضَعهُ أحدٌ عليكم. وإن كان خوفاً تريدون طرده عنكم، فإن جُرثومَة هذا الخوفِ مغروسة في صميم قلوبكم وليست في يَدَي مَن تخافون."
 الحرية والتحرر والإنعتاق من القيود ومن الرموز وإدوات العبودية وكسر قيود الأستعباد بكل أشكاله وألوانه – لا بل هو لونٌ واحدٌ قاتُم السواد لا غير – لهو أعظم ما تصبو إليه البشرية جميعاً وعلى مر العصور والأزمان، لأن الحر فقط هو من يصنع التاريخ والحضارة والرقي الإنساني. وإن الحر الذي يستنشق عبير الحرية من مختلف أنواع أزهار الحياة، لا يمكن أن تُفرض عليه الزهرة التي يستنشق عبيرها.
 إن التحرر من كافة قيود الرمز – مهما كانت مواصفاته وأطيافه وأشكاله – ومن الإنتماء له ومن الموالاة له، لهو بداية الطريق لكل الشعوب التي لابد أن تحقق أحلامها وطموحاتها وتفجر في النفوس طاقتها وإبداعاتها وتصنع مستقبلها بإستقلالية وذاتية قادرة على العطاء والصمود والتحدى في مواجهة كل مصاعب الحياة وتوفير حياة حرة كريمة لكل فرد في تلك المجتمعات. وعلى النقيض من ذلك فأن قيود وأغلال الرمز والموالاة له لا بل الذوبان فيه في بعض الأحيان، لا يمكن إلا أن تجلب لتلك الشعوب الذل والهوان والضعف والإنحطاط في كل نواحي الحياة.
 فمثال تونس ومن بعدها مصر، كانت إنموذج لقيود الرمز وموالاته ومجاملته ومحاكاته - في كل نواحي الحياة وعلى مدى عقود من الزمن - وذلك بالعمل على إسماعه ما تعشق أذنيه من حلو الكلام وإطلاعه على ما تحب أن تراه عينيه من أجمل الصور وأبهى الألوان، والتي تخالف الواقع المُزي من جهة وتحجب عنه كل ما يعكر صفو حياته في برجه العاجي من جهة أخرى، وتدغدغ في ذات الوقت فرعونيته ونزعته لتملك الأشياء والأشخاص وترضي غروره في السيطرة على كل شيء حوله. وفي نفس الوقت تضمن للمُوالي بعض فتات هذا الرمز وتجلب له بعض المصالح والفوائد الذاية والآنية وتجعل له هو أيضاً سلطة يمارسها على من دونه، فيكون له كما كان هو عبداً موالياً لرمزه، عبيد وموالين وخدم يمارس عليهم نفس الأسلوب الذي مارسه عليه رمزه وولي نعمته ومالك أمره، وهكذا حتى تصل الموالاة بأشكالها المختلفة من أعلى قمة في الدولة إلى كل بيت في المجتمع. فالموالاة للرمز دمرت كل نواحي الحياة في تلك البلدان – وما زالت تدمر في باقي البلاد العربية الأخرى - وأفسدتها وجعلتها تتراجع لا بل تنحط في منظومتها الفكرية والأدبية والثقافية والعلمية وحتى الفنون والإبداع الفني الراقي لم يسلم من الخراب والدمار المُنظم والمُمنهج والمُبّرمج من ذلك الرمز وزمرته الموالية.
 لقد كتبت في عرب تايمز عام 2007 بعد وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تحت عنوان رحل الرمز وترك الفساد كما هو و رموزه http://www.arabtimes.com/writer/Jamal/doc5.html "رحيل الرمز لا يعني بالضرورة رحيل الفساد ورموزه - وعندنا المثل الشعبي العريق يقول: من خلف ما مات - و إقفال ملف المغفور له عرفات على صفحات عرب تايمز أو غيرها لا يعنى ولا يبرر بأي حال من الأحوال إقفال ملفات الفساد العالقة لتلك الرموز الكثيرة الباقية بيننا، والتي لولا جهود عرب تايمز لما ظهرت وطفت على السطح. رحل الرمز وخلف وراءه الكثير من الملفات و الكثير من الرموز "المتواضعة" التي لن يشفع لها موت الرمز ولا ولن ينساها شعبنا المكلوم المصاب في وطنه وفي رموزه وقوته اليومي وأحواله وظروف حياته الصعبة القاصية، وما حزن ألآلاف من شعبنا على وفاة رمزه إلا تعبيره عن حزنه هو على نفسه وعلى وضعه وعلى مستقبله الغامض المجهول وحسرته على نفسه أشد حسرة وألم من حسرته على رمزه الفقيد.
 لقد كان ولا زال لنا رموز كثيرة وفي كل شيئ ومن كل الأجناس والألوان وفي كل مجالات الحياة، وقد كان لنا في الزمن الغابر أصنام نعبدها تشفع لنا عند الله وتكون وسيلتنا للتقرب منه للحصول على رضاه وعطاياه وتبعد عنا غضبه ورزاياه ولكن بعد أن نُهينا عن عبادة تلك الأصنام فما كان منا إلا أن إستبدلناها -للأسف- برموز وشعارات أخرى وكأننا مدمنوا عبادة أصنام ورموز وشعارات، فهذا رمز الدين "كالقرضاوي وعمرو والنجار وغيرهم" لا يحق لنا كرعيه أو "رعاع" بنظرهم إنتقاد هذا الرمز أو فضح أفعاله أو كشف حقيقته، وهذا رمز الوطنية وذاك رمز القومية وهذه رمز العجرمية وإلى آخر جوقة الرموز والشعارات التي جعلت من حياتنا جحيماُ لا يطاق وشعوباً لا تستحق الحياة وتضيع وتتوه عندما يموت رمزها وصانع حياتها ومستقبلها، والحق يقال أن مثل هذه الشعوب لا تستحق أصلاً الحياة.
 لذلك أناشدكم أن لا تتخذوا من بعده رمزاً آخر حتى لا نصبح عبيداً للرمز الجديد وننسى الإنسان القضية وتضيع بعده الأرض والهوية."
يقول المفكر هشام شرابي في كتاب "مقدمات لدراسة المجتمع العربي"، لقد كشفت لي التجارب عن مقدرة الثقافة المسيطرة في تكوين عقلية الفرد وإخضاعه لقيمها وتضليله على أعمق المستويات. وشعرت أنني إبتدأت بكسر القيود الفكرية التي كبلتني، وأصبحتُ أسير في إتجاه فكري مستقل أستمده من قوة داخلية وليس من قوة تسيطر علي من الخارج. وأدركتُ أن الخطوة الأولى إلى التحرير تكمن في التحرير الذاتي، وأن بداية التحرير تكمن في التخلص من عبودية الفكر المسيطر. ولكن سرعان ما إكتشفتُ أن تحقيق هذه الخطوة ليس أمراً سهلاً وأنما هو في غاية الصعوبة, إذ أن التحرر الذهني يتطلب عملية غسل للدماغ، جذرية وطويلة المدى، وإعادة نظر في جميع ركائز الفكر الموروث، والمستمد من الثقافة المهيمنة، وإخضاعه لنقد مستمر وشامل.
 في مصر وتونس كشفت الثورات عن مدى سطوة وسيطرة الإعلام وأزلام الفكر ورجال الدين وحتى الفنانين الموالين لتلك الرموز، عن مدى التجهيل والتزوير والتضليل الذي مورس من قبلهم وعلى مدى أجيال على تلك الشعوب، يجعلك تشعر مدى القهر والظلم والحرمان وإمتهان الكرامة، التي تسببت في تدهر وإنحطاط كل مظاهر الحياة لتلك الشعوب والتي كانت أيضاً هي السبب في عدم كسر حاجز الخوف من الرمز وأعوانه. ولكن الشيء الصعب - في نظر الكثيرين - بعد هذه الثورة، ليس فقط كسر حاجز الخوف من بطش أمن الدولة وشرطة النظام البائد، ولكن تغيير جذري في منظومة الفكر والتفكير والسلوكيات والتعامل اليومي لأفراد المجتمع وكسر الأصنام والقوالب الفكرية الفاسدة والمورثة وإستبدالها بفكر حر نظيف لا يسكت على قهر أو ظلم أو تسلط جهة أو لون فكري أُحادي على جميع أطياف الشعب وإحترام تنوعه وإختلافه، وإخضاع كل ما حدث في تلك الفترة وكل ما سوف يحدث لميزان النقد والفحص ومن ثم المحاسبة والمسائلة وبعدها المحاكمة ومن ثم إصدار الحكم، إما الثواب لمن أصاب والعقاب لمن أفسد وخاب وضيع ثروة البلاد. الموالاة للرمز يولد وبلا شك كل مظاهر الفساد والإفساد في المجتمع، والرمز الفاسد لا يمكن أن يعيش ويترعرع إلا بوجود فاسدين مثله أو أكثر منه حوله، وذلك لأن معيارهم ومقياسهم في الولاء لذلك الرمز ينبع من أنا وصولية ومن أنانية منحطة تتطلع للوصول إلى المناصب ومدى المردود المادي الذي سوف يعود عليه من ولاءه لا من كفاءته ونقائه.
 وهناك مظاهر كثيرة من الفساد والإفساد، ولكن برأيي أن أسوأها على الإطلاق هو المظهر الديني للفساد والتواطئ مع المفسدين واللعب حسب أصول وقواعد لعبتهم اللادينية واللاأخلاقية، ذلك لأن الرمز الديني الموالي لولي أمره الرمز – مثال شيوخ آل سعود وفتاويهم المتواطئة والمستفزة للشعوب، وموقف الأزهر من الثورة – يقوم بالتستر على جرائم رمزه الفاسد ويُبرر عدم كشفه لفساد ولي أمره لما في ذلك من إثارة للفتن وتعكير صفو الأمان "المزعوم" لمجتمع مقهور و مظلوم. هذه الموالاة تُفسر تبريرهم المقيت لمفهوم "السُترة" وعدم نشر الغسيل الوسخ ومن ستره الله لا يجب فضحه، أولا الله لا يستر وبالتأكيد لن يتستر على المجرمين والظالمين والفاسدين والمفسدين، فلا تجعلوا الله شريكاً لكم في تخاذلكم وتدليسكم وفتاويكم في تبرير جريمة التستر على الظالم والفاسد وإيهام الناس بأن الله لا يحب أن تشيع الفاحشة بين الناس بحجة التستر على أولئك الظلمة والمفسدين ولكن الله قطعاً يحب العدل والعادلين ويفضح الظلم والظالمين ولا يمكن أن يستر أو يتستر على الظلم والظالمين. ثانياً إذا لم يقم عالم الدين الملتزم الحر والذي هو بعكس ما يدعون، مطلوب منه شرعاً أمام الله وضميره، أن يقول الحق في وجه الحاكم الظالم الفاسد وأن يُعلم القاصي والداني عن فساد هذا الحاكم وظلمه ويطلب بمحاكمته والقصاص منه بما كسبت يداه، لا أن يحابيه ويجامله وينافقه ويغفر له خطاياه، ويجعل الكثير من العامة لا تميّز بين الظالم والعادل وبين الحق والباطل في سلوكيات وتصرفات هذا الحاكم أو ذاك، من يقم بذلك إذا؟
 نحن أمة للأسف ما زلنا نعبد شتى الرموز، ولكن بعد تلك الثورات لا تسمحوا .. لا تسمحوا بأي حال من الأحوال، لرموز جديدة تحاول أن تتسلل إليكم لتأخذ في حياتكم وفي سلوكياتكم وطرق معاشكم وحتى تفكيركم، مكاناً بعد اليوم حتى لا تصبحوا لهم عبيداً من جديد، وإنتقدوا وتفحصوا كل من يريد أن يسرق الحلم والأمل منكم ويجبركم على موالاته ويتسلط عليكم تحت مسميات كثيرة، أخبثها الرمز الديني واللعب على وتر الدين والتدين ورموز وموالاة رجال الدين – على سبيل المثال لا الحص، ما قام به القرضاوي يوم الجمعة في ميدان التحرير، ما هو إلا مؤشر على ذلك، فالقرضاوي لمن لا يعرفه، له تاريخ في تجهيل الناس وتضليلهم وإظهار قدسيته "اللاهوتية" في الحياة العامة، مع أن عليه الكثير من علامات الإستفهام في حياته الخاصة وعلاقاته المشبوهة ببعض الزعماء الفاسدين والسكوت على جرائمهم في زمن ما ونفاقه لبعضهم في هذا الزمان. المقام هنا لا يسمح لي كثيراً بأن أسترسل في الحديث عن بعض مواقف وتصرفات هذا الرجل وإعطاء بعض الأمثلة من تاريخة الطويل، ولكن أعدكم في المقال القادم أنني سوف أكتب عن هذا الرجل حتى لا نبقى أسرى هذا الرمز أو ذلك وسوف أنتقده حتى لو كان "لحمه مسموم" على حد تعبيره.
 الجهل والخوف هما ركيزتان لإستعباد الشعوب، فلا بد من كسر قيود الجهل والخوف وتحطيم رموزه وأعوانه وقواعده، فتتحرر بذلك الطاقات وتنهض الأمم وتتحرك الشسعوب إلى الأمام. أما المعرفة والوعي والحرية هما ركائز التحرر والتقدم والثورة والنهضة، فلا بد من المعرفة والفهم والوعي في ظل حرية النقد والبحث والتفكير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Popular Post